| 1 comments ]



يتم تداول "كليب" يتضمن مقتطفات من خطاب كان المرشح الرئاسي الديمقراطي باراك أوباما قد ألقاه أمام (أيباك)، لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية، ، كبرى منظمات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، أثناء حملته الانتخابية. وهو الخطاب الذي استقبله العالم العربي بالامتعاض والاستهجان، إذ جاء نشازا بالمقارنة مع المواقف السابقة الأكثر ديبلوماسية إزاء قضايا العالم الإسلامي.



المشكلة التي أريد أن أتطرق إليها في هذا المقال المقتضب هي أننا أحيانا ننتقد الشخصيات السياسية، وأحيانا نقع في غرامها، بدون فهم ولا وعي. فتجد الناس مثلا يحبون أوباما لأنه ألقى خطابا في القاهرة واستشهد فيه بآيات قرآنية، متوهمين أن أوباما يحب قراءة القرآن ويحفظ آيات بينات منه، جاهلين أن الخطاب قد كتبه له مستشارون في ملف الشرق الأوسط وقضايا المسلمين يعملون في البيت الأبيض، ويتقاضون أجرا على هذه الوظيفة. ومن المضحكات المبكيات أن هذا الفخ قد وقع فيه فنانون مصريون من أمثال أحمد السقا وعادل إمام، الذين يتلقف الإعلام والعوام أقوالهم كأنها وحي مُنزَّل. وتجد آخرين يكرهونه لأنه ألقى خطابا آخر التزم فيه بالدفاع عن حق إسرائيل في الوجود والدفاع عن النفس. لكي نكون أقل عاطفية، وأكثر عقلانية في التعاطي مع موقفنا من أي رئيس أمريكي ينبغي علينا أن نستوعب ثلاث مسائل.

أول هذه المسائل أن نفهم أنه في الغرب غالبا ما يكون السياسي يقوم بوظيفته بمعزل عن آرائه ومواقفه وعواطفه. إن أوباما مثلا لا يبني أجندته السياسية على قيم الشخص المثقف المسالم الوديع رغم كونه فعلا يتمتّع بهذه الخصال. ولكن يبني مواقفه على المصلحة و البراغماتية. هناك قولة شهيرة تقول إن أمريكا ليس لها أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون، ولكن لها مصالح دائمة. هذه هي القاعدة التي يحاول الرئيس أوباما أن يطبقها؛ يحاول أن يجعل من أعداء الأمس أصدقاء اليوم، ولكن مع مراعاة المصالح الدائمة للولايات المتحدة، وعلى رأسها أمن ومصالح إسرائيل. لم يعد أحد سوانا يبني مواقفه السياسية على منطق الكراهية والحب، نحن وحدنا الذين نصرّ أن نكون قيس المجنون الباحث عن رضى ليلى.

المسألة الثانية هي أن الارتباط بين الولايات المتحدة وإسرائيل من أهم الثوابت في السياسة الخارجية الأمريكية التي عليها تبنى موقف وقرارات الساسة في واشنطن. عندما يقول أوباما أنه ملتزم بأمن إسرائيل، وأن العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل علاقة استراتيجية فإنه لا يسمي الأشياء بمسمياتها، لأن العلاقة بينهما ليست استراتيجية فحسب، بل علاقة عضوية. وذلك راجع إلى ما هو أكبر من السياسي والعسكري والاقتصادي والاستراتيجي؛ راجع إلى ما هو ديني. و هذه مسألة شرحها يطول ولا يتسع لها المقام، ولكن يمكن للقارئ أن يرجع إليها في الوثيقة المهمة جدا رفقته. (انظر الملف الوثائقي المرفق عن المسيحية الصهيونية).

المسألة الثالثة هي أن الرئيس الأمريكي لا يطبق سياسته بِحُرية. بل هناك قوى أكبر منه تملي عليه ما يفعل وما لا يفعل، وما يقول وما لا يقول. ففي عام 1977 عندما صرّح الرئيس جيمي كارتر بأن "الفلسطينيين لهم الحق في وطنهم" تصدّى له قادة ونشطاء صهاينة مسيحيون، بالإضافة إلى اللوبي الصهيوني وشنوا ضده حملة صار بعدها أكثر تحفظا بخصوص القضية الفلسطينية في خطاباته خلال فترة الرئاسية. (انظر الملف الوثائقي المرفق المسيحية الصهيونية"ص. 14") لكنه صار أكثر جرأة في التصريح بمواقفه الحقيقية حيث أصدر مؤخرا كتابا يدين فيه الجدار العازل "فلسطين.. السلام لا الفصل العنصري"، كما التقى رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل، وقام بزيارة إلى غزة ندد فيها بالحصار، وبموقف بلاده منه. قصة أخرى تبين حجم تأثير اللوبي الصهيوني على الرئيس الأمريكي. ففي عام 1958، كلف "مؤتمر رؤساء المنظمات اليهودية رئيسه بالاتصال بجون كينيدي، على اعتبار أنه المرشح المحتمل. وخلال اللقاء قال له "كلوتزنك"(Klutznik): "إذا قلت ما ينبغي لك أن تقوله، يمكنك الاعتماد عليّ. وإلا فإننا جميعا سندير لك ظهرنا ونتخلى عنك". والنتيجة هي أن فاز كينيدي بالرئاسة في عام 1960 بدعم من اللوبي اليهودي، وما كان عليه بعد ذلك إلا أن يقدم فروض الطاعة والولاء لإسرائيل؛ ففي لقائه الأول مع بن غوريون،رئيس الوزراء الإسرائيلي، في ربيع 1961، قال له: " أعلم جيدا أنني انتُخِبت بفضل أصوات اليهود الأمريكيين. وأنا مدين لهم بانتخابي. فقل لي ما الذي ينبغي علي أن أفعله من أجل الشعب اليهودي" (انظر كتاب روجي كارودي "الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية" في المرفقات. ص. 260)
إن خير من يدافع عن قضايا الإسلام والمسلمين ليس هو أوباما، ولا أي رئيس أمريكي غيره. خير من يدافع عنا قضايانا هو نحن وقادتنا المنتخبون ديمقراطيا، مثل رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان الذي قال في مؤتمر دافوس في أقل من عشر دقائق ما لم يقله قادتنا المفروضون علينا في ستين عاما.



ولمن يصر أن يعلق آمالا على أوباما أهدي هذه القصيدة:
رسالة من أوباما إلى كل العرب
مِنْ أوباما..لِجَميعِ الأعرابِ شُعوبًا أو حُكّامًا:
قَرْعُ طَناجِرِكُمْ في بابي
أرهَقَني وَأطارَ صَوابي..
(افعَلْ هذا يا أوباما..اترُكْ هذا يا أوباما
أمطِرْنا بَرْدًا وسَلاما
يا أوباما.وَفِّرْ للِعُريانِ حِزاما!يا أوباما.خَصِّصْ للِطّاسَةِ حَمّاما!يا أوباما.فَصِّلْ للِنَملَةِ بيجاما!يا أوباما)
قَرقَعَة تَعلِكُ أحلاماً
وَتَقيء صَداها أوهَامَا
وَسُعارُ الضَّجّةِ مِن حَوْلي
لا يَخبو حتّى يتنامى.
وَأنا رَجْلٌ عِندي شُغْلٌ
أكثَرُ مِن وَقتِ بَطالَتكُمْ
أطوَلُ مِن حُكْمِ جَلالَتِكُمْ
فَدَعوني أُنذركُمْ بَدءًا
كَي أحظى بالعُذْر ختاما:
لَستُ بِخادمِ مَن خَلَّفَكُمْ
لأُسِاطَ قُعودًا وَقياما.لَستُ أخاكُمْ حَتّى أُهْجى
إن أنَا لَمْ أصِلِ الأرحاما.لَستُ أباكُمْ حَتّى أُرجى
لأكِونَ عَلَيْكُمْ قَوّاما.وَعُروبَتُكُمْ لَمْ تَختَرْني
وَأنا ما اختَرتُ الإسلاما!
فَدَعوا غَيري يَتَبَنّاكُمْ
أو ظَلُّوا أبَداً أيتاما!
أنَا أُمثولَةُ شَعْبٍ يأبى
أن يَحكُمَهُ أحَدّ غَصبْا..ونِظامٍ يَحتَرِمُ الشَّعبا.وَأنا لَهُما لا غَيرِهِما
سأُقَطِّرُ قَلبي أنغاما
حَتّى لَو نَزَلَتْ أنغامي
فَوقَ مَسامِعِكُمْ.. ألغاما!فامتَثِلوا.. نُظُمًا وَشُعوبًا
وَاتَّخِذوا مَثَلي إلهاما.
أمّا إن شِئتُمْ أن تَبقوا
في هذي الدُّنيا أنعاما
تَتَسوَّلُ أمْنًا وَطَعاما
فَأُصارِحُكُمْ.. أنّي رَجُلٌ
في كُلِّ مَحَطّاتِ حَياتي
لَمْ أُدخِلْ ضِمْنَ حِساباتي
أن أرعى، يوماً، أغناما
(أحمد مطر).





المرفقات: