| 0 comments ]



فيما يلي التسجيل الكامل لمناظرة حول الدولة الدينية والدولة المدنية" التي شارك فيها مفكرون إسلاميون ومفكرون علمانيون عام 1992. وقد شارك فيها عن الجانب الإسلامي الشيخ محمد الغزالي والمستشار محمد مأمون الهضيبي والدكتور محمد عمارة. وعن الجانب العلماني شارك الدكتور محمد خلف الله والدكتور فرج فودة وكان مفترضا أن يكون معهما الدكتور حسين أحمد أمين، لكنه اعتذر ليلة المناظرة لأسباب صحية.
تجدون رفقة الفيديو أسفله ملفا للتحميل يحتوي على تفريغ لمداخلات المتناظرين.


| 0 comments ]


وأخيرا طلع الصباح وخرجت لجنة المنوني عن صمتها المُباح. وأخرجت لنا من قبعتها السحرية مسودة الدستور الذي سيُستفتى بشأنه شعب لا زالت الأمية ضاربة أطنابها في أوساطه.

للأمانة فقط، لا يمكن لأحد أن ينكر أن مشروع الدستور تضمَّن إضافات نوعية في بعض  المجالات. فعلى صعيد الحريات العامة مثلا، نص مشروع الدستور على حقوق المعتقلين في صيانة كرامتهم وفي حصولهم على محاكمة عادلة. وعلى صعيد العمليات الانتخابية، نص منطوق المشروع صراحة على منع تدخل السلطات العمومية في سير العملية الانتخابية، وعلى منع الترحال السياسي داخل البرلمان، وهي الظاهرة التي كانت وصمة عار على جبين "الديمقراطية" في هذا البلد. كما ارتقى مشروع الدستور، بشكل محدود، بصلاحيات الوزير الأول، الذي سيتحول إلى رئيس للحكومة، وسيصبح من صلاحياته التعيين في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية وفي الوظائف  السامية، كما سيصبح من صلاحياته حل البرلمان بعد استشارة الملك ورئيس المحكمة الدستورية ورئيس مجلس النواب.

لكن الذي يحتاج إلى مزيد من الشرح والتوضيح في مشروع الدستور هذا هو أنه، في الوقت الذي ينُصُّ فيه بشكل صريح على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على الفصل بين السلط، نرى أن هذه السلط في نهاية المطاف تجتمع في يد مؤسسة واحدة، ألا وهي مؤسسة الملك.

إن المغاربة الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بفصل السلط في دستور متوازن لم يكونوا يقصدون، لا سمح الله، أن الحكومة أو البرلمان أو المجلس الأعلى للقضاء يستحوذون على صلاحيات تجعل إحداهُنَّ تطغى على الأخرى. بل كانوا يرون أن هذه المؤسسات أصلا في حاجة أولا إلى صلاحيات حقيقية، وثانيا إلى استقلال عن المؤسسات الأخرى، بما فيها مؤسسة الملك، ما دامت هذه المؤسسة لا تخضع إلى رقابة ولا إلى مساءلة. فهل لبى مشروع الدستور هذه المطالب ؟

قبل الحديث عن فصل السلط في مشروع دستور المملكة، لا بد أن نذكر أنه هذه النظرية تهدف إلى قطع الطريق على الاستبداد السياسي. فنظرية الفصل بين السلط نابعة من الفكر الكالفيني البروتستانتي الذي يعارض تجمع السلطات في يد مؤسسة واحدة، لأن مؤسس هذا المذهب، جون كالفين، كان يخشى الاستبداد السياسي الذي كان يمارسه الحُكام "العُصاة" حسب رأيه. لذلك جاء المفكرون السياسيون من أتباع المذهب بنظرية الفصل بين السلط حتى لا يستبد بالحكم شخص ولا طبقة و لا مجموعة بعينها. جاء بعد ذلك المفكر الانجليزي جون لوك والمفكر الفرنسي مونتيسكيو ليُفصلا في مزايا الفصل بين السلط في الديمقراطيات الغربية الناشئة آنذاك، وليُرسيا أسس هذه النظرية في الفكر السياسي المعاصر.

ولعل أوضح نظام دستوري في مسألة الفصل بين السلط هو النظام الدستوري الأمريكي، الذي فصل بشكل حازم وحاسم بين السلطات التنفيذية (المنوطة بالرئيس)، والتشريعية (المنوطة بالكونغرس)، والقضائية (المنوطة بالمحكمة العليا). فهذه المكونات الثلاثة للسلطة السياسية الفيدرالية مستقلة عن بعضها من جهة، لكنها تمارس الرقابة عن بعضها البعض (Checks and balances)، من جهة أخرى.

نعود إلى إبلنا لنطرح السؤال عن مدى تحقق الفصل بين السلط في مشروع دستورنا. الواقع أن مؤسسة الملك في مشروع الدستور هذا لا زالت قوية أكثر من اللازم، ولا زالت تتجمع في يدها كافة السلطات.

 فعلى مستوى السلطة التنفيذية، لا زالت ثنائية مجلس الحكومة والمجلس الوزاري قائمة. وينص مشروع الدستور على أن المجلس الوزاري يتداول في قضايا مثل التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية ومشاريع القوانين-الإطار. وهي قضايا من المفروض أن يقوم التعاقد عليها مع حكومة ذات إرادة سياسية مستقلة، وعلى أساسها ينبغي أن تُحاسب هذه الحكومة أمام البرلمان.

وعلى مستوى السلطة القضائية، فرُغم أن منطوق الفصل 107 نَصَّ صراحة على استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، فإنه نص كذلك على أن الملك هو ضامن استقلال القضائية. والملك، حسب مشروع الدستور هذا، هو رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المؤسسة التي ستُناط بها السلطة القضائية.

أما على مستوى السلطة التشريعية، فرغم أن مشروع الدستور هذا يعزز من صلاحيات البرلمان في محاسبة الحكومة، فإن هذه المؤسسة لا تتمتع حتى بحق مناقشة خطاب الملك الذي يتلوه أمام البرلمان بغرفتيه. بل إن الملك قادر على حل البرلمان بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رؤساء الحكومة وغرفتي البرلمان، أي أن هذه المؤسسة ستبقى رهينة للإرادة الملكية.

إن الفصل بين السلط الذي نطمح إليه أكثر بكثير من مجرد الفصل بين مؤسسات أُنِيطَ بها تدبير شؤون السلطات الثلاث بشكل محدود. إننا نطمح إلى نظام دستوري يمنع تجمع السلطات في يد مؤسسة واحدة أيا كانت هذه المؤسسة، بما فيها مؤسسة الملك. هذه هي الصيغة الوحيدة لفصل  بين السلطات كفيلٍ بالحيلولة دون الاستبداد السياسي. لكن قبل أن نسعى إلى تحقيق هذا المطلب، علينا أولا أن نسعى إلى إيجاد نخبة سياسية مقتنعة أنها بمقدورها تدبير خلافاتها السياسية بالآليات الديمقراطية. وفي انتظار تحقق ذلك، فلن نجد مناصا من ملك قوي يستحوذ على كافة السلطات باسم الدور التحكيمي بين الفرقاء السياسيين.

| 0 comments ]





تابعنا باهتمام بالغ الانتخابات التشريعية التي شهدتها تركيا يوم أمس الأحد. كنا نتابع الأخبار الواردة من تركيا عن الانتخابات كما يتتبع المهووسون بالكرة مباراة ديربي أو كلاسيكو.
استغربت كيف أن الانتخابات في تركيا استحوذت على اهتمام عدد من العرب كما لم تستحوذ على اهتمامهم انتخابات في بلد مجاور لهم أو بلد عربي شقيق لهم، ولعلني لا أبالغ إذا قلت حتى انتخابات تشهدها بلادهم لا تعني لهم ما تعنيه انتخابات تركيا.
 
إن الاهتمام العربي بتركيا ليس صدفة ولا مفاجأة. فالعرب اليوم يشعرون أنهم استرجعوا تركيا إلى معسكرهم بعدما اختطفها العلمانيون المتطرفون الكماليون الذين لم يألوا جهدا في محاولات محو ملامح وجهها الإسلامي ومحاولات يائسة لزرع ملامح غربية في وجهها في عملية تجميل فاشلة لم تزد وجهها المُشرق إلا قبحا.
ولكن تركيا المسلمة لم تستسلم لخاطفيها. فخروج الزعيم المسلم نجم الدين أربكان رحمه الله الذي رحل عن دنيانا منذ أسابيع كان انتفاضة على ورثة كمال أتاتورك. إذ حاول الزعيم الراحل أن يعيد تركيا إلى حضن أمتها الإسلامية. لكن الجيش اللائكي كان له بالمرصاد، فانقلب على حكومته مرارا و حل أحزابه الواحد تلو الآخر ومنعه مرات عديدة من حقوقه السياسية في استعلاء واضح لا يمت إلى المدنية ولا الديمقراطية بأية صلة.
ولكن شباب العدالة والتنمية درسوا واقعهم جيدا، وأعدوا العدة لأصنام الجيش المتسلط. فاكتسحوا خصومهم في انتخابات تشريعية مَطلعَ هذا العقد. واستطاعوا بفضل من الله وبفضل دهاء زعيمهم رجب طيب أردوغان أن يقلموا أظافر جنرالات الجيش المتغول، ويجروهم إلى المحاكم الواحد تلو الآخر. واستطاعوا أن يدخلوا رئيسا إسلاميا إلى القصر الجمهوري مع زوجته المحجبة، وألغوا القوانين اللاديمقراطية التي كانت تحظر على المحتجبات أن يدخلوا الحرم الجامعي. وسيطروا على كافة مفاصل الدولة.
الإسلاميون في تركيا الآن يقدمون صورة مُشرِقة للإسلام السياسي. فذكاؤهم مكنهم من ممارسة البراغماتية بشكل سليم. فقد قدموا تنازلات جعلتهم يستعصون على الجيش، بل ومكنتهم من طرده شر طردة من الساحة السياسية، وفرضوا عليه ألا يغادر ثكناته. لكنهم بالمقابل لم يقدموا أي تنازلات على حساب مبادئهم واختياراتهم الكبرى لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الخارجي. فتركيا الإسلامية تستعصي على أمريكا ولا تخشى إسرائيل، ولا تخجل من مناصرة حماس ومستضعفي غزة. بل إن الزعيم أردوغان قال عقب فوزه يوم أمس إن انتصار أنقرة هو انتصار غزة ونابلس.
وتركيا الإسلاميين ليست دولة فقيرة، بل إن الركن الركين في سياسة العدالة والتنمية هو النمو الاقتصادي المطرد الذي لم توقفه الأزمة العالمية. وسبب نجاحات العدالة والتنمية هو نجاحها في تحقيق تنمية اجتماعية وتحسين للدخل الفردي.
سيطول بنا المقام إذا أردنا أن نعدد إنجازات الإسلاميين في تركيا. لكن خلاصة القول هي أن تجربة العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان جاءت لتعيد الأمل إلى هذه الأمة. فهؤلاء الناس لم يجدوا أمامهم طريقا مفروشة بالرمل ولا السجاد الأحمر. لقد جاءوا ليهزموا جنرالات جيش عتيد متسلط كان ممسكا بمقاليد الأمور بيد حديد.
لأجل ذلك نقول بكل فخر واعتزاز: شكرا لرجب طيب أردوغان، شكرا للعدالة والتنمية، مسيرتكم مصدر إلهام لنا.