| 0 comments ]


عندما ارتفعت أصوات المغاربة مطالبين بدمقرطة النظام السياسي الذي يحكم البلاد بدا أن أعلاهم صوتا هو ذلك الذي يطالب بملكية برلمانية على غرار النظام السياسي البريطاني الذي يسود فيه الملك، أو الملكة،  ولا يتمتع فيه التاج الملكي بأية سلطة سياسية.
البرلمان المغربي

وقد نُشِر مؤخرا مقال لتوفيق بوعشرين يدافع فيه عن هذا الطرح، زاعما أنه لا مجال للخوف من الملكية البرلمانية. ولكي نتفق مع صاحب هذا المقال أو نختلف معه علينا أولا أن نفهم طبيعة النظام البرلماني، سواء كان جمهوريا أو ملكيا، وأن نحكم بعد ذلك على جدوائية النظام البرلماني في المناخ السياسي المغربي.
معلوم أن رئاسة الحكومة في النظام البرلماني سواء كان جمهوريا أو ملكيا لا يتم انتخابها في اقتراع عام مباشر، ولكنها تنبثق عن الحزب الأول في الانتخابات التشريعية، أي أن الحزب الحائز على أكبر عدد من مقاعد الغرفة العليا في البرلمان هو الذي يشكل الحكومة بمفرده إذا كانت عنده الأغلبية اللازمة لذلك، أو على رأس ائتلاف حكومي مع أحزاب أخرى إذا لم يتمكن من حيازة الأغلبية اللازمة ليحكم البلاد بمفرده.  ويستمر الحزب الحاكم على رأس السلطة التنفيذية ما دام الائتلاف قائما، أما إذا انفرط عقد الائتلاف، لأي سبب من الأسباب، تسقط الحكومة ويكون لزاما على الملك، في الملكيات البرلمانية، أو رئيس الجمهورية، في الجمهوريات البرلمانية، أن يعين وزيرا أولا من حزب أقدر على تشكيل ائتلاف جديد، أو يُصار إلى انتخابات تشريعية سابقة لأوانها للخروج من الأزمة السياسية.
جدير بالتذكير أن عددا من الديمقراطيات العريقة ذات النظام البرلماني هي أيضا ذات سِجِلٍّ عريق في الأزمات السياسية. فقد رأينا في التسعينيات كيف أن جمهورية تركيا دخلت أزمات من هذا القبيل عندما فشل أربكان في الحفاظ على ائتلافه مع تانسو تشيلر، ورأينا كيف أن السلطة التنفيذية افتقدت إلى الاستقرار في يد فريق حاكم لمدة معقولة في إيطاليا في عدد من فترات تاريخها السياسي، بل إننا نرى أن الائتلاف الحاكم حاليا في "إسرائيل" على كف عفريت بسبب تقلب مزاج ليبرمان، حليف نتنياهو في الائتلاف الحاكم حاليا.
قد يقول قائل إن هذه الأمثلة من دول ذات نظام جمهوري ونحن عندنا نظام ملكي، فما علاقة هذا بذاك؟ أقول إن الفرق بين الأمثلة السابقة والملكيات البرلمانية من هذه الناحية التي أناقشها لا يكمن في أن الأولى جمهوريات والثانية ملكيات، بل يكمن في  تمايز طبيعة المشاهد الحزبية التي ينبني عليها النظام السياسي في المجموعتين (أقصد الجمهوريات المذكورة من جهة وإسبانيا وبريطانيا مثلا من جهة أخرى). فالميكانيزمات التي يشتغل بها النظام الجمهوري البرلماني والنظام الملكي البرلماني هي نفسها: السلطة التنفيذية تنبثق عن  القوة الأولى في المؤسسة التشريعية، ولا دخل لرئيس الدولة في ذلك سواء كان ملكا أو رئيس جمهورية. إن إسبانيا وبريطانيا تتمتعان باستقرار سياسي لأن المشهد الحزبي فيهما ثنائي الأقطاب. ففي إسبانيا يوجد حزبان رئيسيان هما حزب العمال الاشتراكي الحاكم حاليا ذو المرجعية اليسارية والحزب الشعبي المعارض ذو المرجعية اليمينية، وتؤثث المشهد أحزاب صغرى ثانوية من الممكن أن تدخل في ائتلافات إذا دعت الضرورة. أما في بريطانيا فينبني المشهد الحزبي على حزبين رئيسيين أيضا هما حزب العمال اليساري وحزب المحافظين اليميني، وأيضا يؤثث المشهد الحزبي هناك أحزاب صغرى من الممكن أن تدخل في تحالفات لكنها أبدا لا تحلم بتقلُّدِ السلطة التنفيذية.
أما في النظم البرلمانية التي تعاني من كثرة الزلازل السياسية فالمشهد الحزبي فسيفسائي مبلقن، من الممكن أن يفشل فيه الحزب الأول في تشكيل ائتلاف حكومي، ومن الممكن أن يقود فيه حزب آخر البلاد بحكومة ذات أغلبية هشة في البرلمان لا تستطيع تنفيذ برامجها إلا بعد مساومات مع المعارضة، بل من الممكن أن ينهار هذا الائتلاف كليا عند أول تحدٍّ، لتدخل البلاد أزمة سياسية ربما لا يتم الخروج منها إلا بانتخابات تشريعية سابقة لأوانها، وحتى هذه الانتخابات قد لا تكون هي الحل إلا إذا أسفرت عن أغلبية واضحة ذات معنى في الغرفة العليا للبرلمان.
ما دامت هذه هي حيثيات اشتغال النظام البرلماني، فأين يمكن تصنيف النظام السياسي المغربي بين الفئتين، النظم البرلمانية المستقرة والنظم البرلمانية الكثيرة الاهتزازات؟
إذا كان النظام السياسي التركي أكثر استقرارا الآن بفضل ظهور حزب العدالة والتنمية القوي الذي يستطيع حاليا قيادة البلاد بسلطة تنفيذية خالصة له بمفرده، فهل عندنا في المغرب إمكانية ظهور حزب مماثل؟
هل هذا المشهد الحزبي قادر على إفراز برلمان ذي معنى، قبل أن نحلم أن يفرز لنا حكومات ذات معنى؟
حاليا عندنا 36 حزبا، وربما قد تأتي موجة انشقاقات تفتت المشهد أكثر، كيف يمكن التفكير في نظام برلماني بهذا الكم الهائل من الأحزاب؟
كيف سنُفصِّل مشهدا حزبيا على مقاسنا؟ وبأية أحزاب سنُضحي وبأية أحزاب سنحتفظ؟ أم أن أحزابنا السياسة الصغيرة، وما أكثرها، ستصبح بين عشية وضحاها وطنية ، وستقوم من تلقاء نفسها بحل نفسها أو إذابة نفسها في أحزاب كبرى، تقديما للمصلحة الوطنية على مصالح زعمائها الأبديين الذين طالت إقامتهم في مناصب الأمانة العامة والرئاسة لهذه الأحزاب؟
أليس من المبكر أن نطالب عرش المغرب أن يصبح أريكة فارغة؟ أم أنه لن يكون من الغضاضة أن نطالبه بعد غد بالعودة ليمسك بتلابيب السلطات بعد أن نكون قد فشلنا في تدبير شؤوننا؟
قيل لعنترة: "أنت أشجعُ العرب وأشدّها" قال: "لا"قيل:  "فبماذا شاع لك هذا في الناس؟" قال: "كنت أُقْدِمُ إذا رأيت الإقدام عزْماً، وأُحجِم إذا رأيت الإحجام حزماً ولا أدخل موضعاً حتى أرى لي منه مخرجاً".
بنفس المنطق، على الذين يطالبون بنظام برلماني أن يفكروا من الآن في المخرج من مطباته قبل ولوجه، وإلا فإن أمة بأكملها ستفقد ماء وجهها إذا تبين أن مطالبها لم تكن أكثر من أحلام أطفال.
والله أعلم.

نُشِر هذا المقال بموقع هسبريس يوم الخميس 31 مارس 2011

| 0 comments ]


في إطار الحراك الذي تشهده مختلِف ربوع المملكة من أجل المطالبة بالإصلاح، خرج مئات من ساكنة مدينة بن أحمد، إقليم سطات، في مظاهرة احتجاجية على الأوضاع القائمة يومه الأحد 27 مارس من أجل المطالبة بالتغيير.
المظاهرة تجوب الشوارع
 وقد انطلقت المظاهرة من ساحة محمد الخامس على الساعة الثالثة بعد الزوال برفع شعارات مطالبة برحيل حكومة عباس الفاسي وحل البرلمان بغرفتيه، شعارات من قبيل :"المغرب أرضي حرة… وعباس يطلع برا… والهمة يطلع برا… والماجيدي يطلع برا… والمنصوري يطلع برا"…. وكانت مختلف الشعارات المرفوعة تعبر عن رفض المتظاهرين لما سموه بالدستور الممنوح والمؤسسات الشكلية والقضاء الفاسد والتعليم غير اللائق وسياسات تفقير الشعب. وتجدر الإشارة إلى أن الشعارات لم تتناول الملك محمد السادس.
بعد ذلك انطلقت المسيرة الاحتجاجية لتجوب عددا من شوارع وأزقة المدينة، مارة من أمام مفوضية الشرطة وقصر البلدية لتعود إلى ساحة محمد الخامس التي انطلقت منها، حيث قُرِئَ البيان الختامي لتنفضَّ المظاهرة بعد ذلك.
وقد دعت إلى هذه المظاهرة هيئة أطلقت على نفسها اسم "تنسيقية بن احمد للمطالبة بالتغيير"، وهي هيئة ضمت عددا من شباب المنطقة من مختلف الحساسيات والمرجعيات السياسية.
يجدر التنويه بالجو الحضاري الذي مرت فيه هذه المظاهرة الاحتجاجية وطابعها السلمي الذي حافظت عليه من بدايتها إلى ساعة اختتامها. وقد شارك في هذه المظاهرة سكان من مختلف الأعمار والفئات الاجتماعية، كما سجلنا كذلك مشاركة فعالة من الفتيات والنساء.
وقد اقتصر الحضور الأمني على وجود بضعة من رجال الشرطة وسط المتظاهرين بالزي المدني.
يجدر بالذكر كذلك أن مدينة بن احمد واحدة من البلدات التي تعاني التهميش رغم أنها لا تقع في منطقة هامشية. فرغم أن هذه المدينة تقع في منطقة الشاوية، التي هي من أسرع الجهات في المملكة، إلا أن بن احمد تعاني من عزلة غير مفهومة، فهذه المدينة لا تتوفر حتى على محطة للحافلات تربطها بباقي جهات المملكة. كما أنها ورثت شبكة من الطرق المهترئة والمرافق والبنيات التحتية المتهالكة عن مجالس بلدية فاسدة أفرزتها انتخابات لم تكن تمر إلا في ظل أعمال بلطجة وتوظيف سافر للمال الحرام. هذا بالإضافة إلى البطالة التي تضرب أطنابها في أوساط الشباب  حملة الشواهد.
فهل ستكون نسائم الحرية التي تهُبُّ على البلاد وكل المنطقة العربية بردا وسلاما على أبناء هذه المنطقة؟ وهل ستجري رياح التغيير بما تشتهي سفن هذه المدينة المنكوبة؟ ذلك ما يتطلع شباب مدينة ابن احمد إليه في أقرب الآجال.



جانب من المظاهرة الاحتجاجية
عجوز تلتحف الراية المغربية وتحمل صورة الملك
 
كل يناضل على طريقته
جانب من الحضور النسوي في المظاهرة
شباب اللجنة التنظيمية يحمون الممتكات العامة
الاحتجاج بطريقة وطنية
 
حضور من براعم المستقبل

| 0 comments ]

قدَّم المفكر الجزائري مالك بن نبي في كتابه "شروط النهضة" (1948) مقاربة متميزة للظاهرة الكولونيالية.. مقاربة ً ظلت متميزة حتى بالمقارنة مع المفكرين الذين جاءوا بعده بعقود ليتناولوا هذه الظاهرة. فبخلاف المفكر الفلسطيني الأمريكي إدوارد سعيد مثلا، الذي كانت مقاربته للكولونيالية في مجملها احتجاجية على ممارسات الاستعمار وخطابه الاستشراقي ومواقفه الاستعلائية تجاه شعوب الشرق، كان مالك بن نبي أعمقَ رؤية ً عندما قال إن لقيام الاستعمار ظروفا ذاتية وموضوعية. فعلى مستوى الظروف الموضوعية تحدث مالك بن نبي عن المُعامِل الاستعماري الذي "يخدع الضعفاء، ويخلق في نفوسهم رهبة ووهماً، ويشُلُّهم عن مواجهته بكل قوة". أما على مستوى الظروف الذاتية للشعوب المستعمَرة فتحدث مالك بن نبي عما سماه بمُعامِل القابلية للاستعمار، وهو معامل "ينبعث من داخل الفرد الذي يقبل على نفسه… السيرَ في تلك الحدود الضيقة التي رسمها الاستعمار، وحدد له فيها حركاتِهِ وأفكارَه وحياتَه". لذلك يرى مالك بن نبي أن الاستعداد النفسي من لدن الشعوب المستعمَرة للخضوع للاستعمار عامل قوي لاستدامة الاستعمار وبقائه، مستشهدا بقولة مأثورة لأحد المصلحين الذي قال: "أخرِجوا الاستعمارَ من نفوسِكم يخرجْ من أرضِكم".
يبدو أن المقاربة التي قدمها مالك بن نبي لظاهرة الاستعمار صالحة أيضا لتحليل ظاهرة الاستبداد، وذلك لاعتبارين اثنين؛ أولهما أن الاستبداد والاستعمار كِلَيهِما يهدفان إلى نفس الغاية، وهي إخضاع الشعوب للقهر والخسف والإذلال من أجل الاستيلاء على ثرواتها؛ ثانيهما أن الاستعمار يحتاج إلى معامل القابلية للاستعمار عند الشعوب. وبنفس المنطق، فالاستبداد أيضا يحتاج إلى معامل القابلية للاستحمار عند الشعوب لكي تقوم له قائمة.
مالك بن نبي (1905-1973)


الاستحمار: في المصطلح وما إليه.
الاستحمار مصطلح يدل على الاستغباء الممنهج للشعوب الغافلة أو المغفلة من لدن قوى الاستعمار أو النظم السياسية المستبدة من أجل إلهائها عن المطالبة بحقوقها وثرواتها. فشَغل الشباب بكرة القدم مثلا من أجل إبعادهم عن قضاياهم الحقيقية مثال على استحمارهم. والاستحمار هو في الحقيقة إخراج لهذه الشعوب من طبيعتها الإنسانية والنزول بها إلى مستوى الحمير من أجل تسخيرها للركوب ولمآرب أخرى. ولكن محاولات الاستحمار قد تبقى بدون جدوى وتبوء بالفشل الذريع إذا كانت الشعوب يقِظةً نبيهة، أما إذا كانت الشعوب قابلة للاستحمار فإن معامل القابلية هذا سيلعب لصالح المستحمِر سواء كان مستعمِرا أو مستبدا.
وأول شرط من شروط القابلية للاستحمار عند الشعوب هو العزوف عن القراءة، قراءةِ الواقع وقراءةِ ما استؤمنت  عليه من الكتاب. لذلك كانت رسالة الإسلام الهادفة إلى إخراج العالمين من مرحلة الاستحمار حاملة لشعار "اقرأ باسم ربك الذي خلق". ولذلك كان التفريط في فعل القراءة و في حفظ ما استؤمنت عليه الأمة من الكتاب إيذانا بدخول مرحلة الاستحمار. يقول القرآن الكريم: "مَثَلُ ٱلَّذِينَ حُمِّلُواْ ٱلتَّوۡرَٮٰةَ ثُمَّ لَمۡ يَحۡمِلُوهَا كَمَثَلِ ٱلۡحِمَارِ يَحۡمِلُ أَسۡفَارَۢا‌ۚ ". (سورة الجمعة-5). فلا غَرْوَ إذن أن نرى الأنظمة الاستبدادية تتفنن في تفصيل برادع على مقاسات ظهور الشعوب عندما تقبل هذه الشعوب ألوان الاستحمار الممارَس عليها.
وانتشر استعمال مفهوم الاستحمار في تحليل ظاهرة الاستبداد بانتشار كتاب المفكر الإيراني الدكتور علي شريعتي، "النباهة والاستحمار". ويُعرِّف شريعتي الاستحمار بأنه "تسخير للإنسان كما يُسخَّر الحمار" (ص. 43). ويعتبر أن الاستحمار هو كل إلهاء للمستحمَر بأمر ليس من الأولى له أن يشتغِل به من أجل الاستيلاء على متعلقاته حتى لو كان هذا الأمر إيجابيا في ظاهر الأمر. فالزهد قد يكون وسيلة من وسائل الاستحمار عندما نُقنِع المستحمَر بأن يشتغل بالآخرة حتى نستولي نحن على دنياه. والشعر قد يكون من وسائل الاستحمار عندما نشغل به الشباب عن السياسة. والفن قد يكون من وسائل الاستحمار عندما نشغل به المرأة عن المطالبة بحقوقها … وهكذا دواليك.
علي شريعتي (1933-1977)
ويرى شريعتي أن الشعوب التي تتمتع بصفة "النباهة" تبقى عصية على الاستحمار… أي أنها لا تتوفر فيها صفة القابلية للاستحمار بلغة مالك بن نبي. ويضرب شريعتي مثلا على النباهة برعية أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. يقول شريعتي:
"… وحينما رأوا الخليفة عمر، ذلك الإمبراطور الذي فتح لهم مصر وإيران وبلاد الروم، يرتدي ثوبا، من الغنائم الحربية، وهو أطول من أثوابهم بقليل، علت أصواتهم بالمعارضة، وتقسيم الغنائم بالمساواة، لقد صاحوا: لأي شيء ثوبك أطول من ثيابنا؟ وهم لا فرق عندهم بين عمر، أميرِهم، إمبراطورِ الشرق والغرب، وبين جندي من الجنود. لقد أجبروه على المحاكمة لأول مرة، وبدلاً من الثناء عليه، وإجلاله لفتح إيران والروم، طالبوه بالعدالة! انظر إلى شعور تلك الأمة، وإلى اهتمامهم والتزامهم بمصيرهم، وهم يستطيعون أن يرفعوا إيران المتحضرة في العهد الساساني بأطراف أصابعهم، ويلقون بها أينما شاؤوا، وفعلا قلعوها، ولا يُعلم أين ذهبت! ولهذا كانوا قادرين على فتح بلاد الروم كلها، ولقد استطاعوا فتح مصر، وإخضاعَها بثلاثة آلاف رجل" (ص. 47).
إن العديد من أبناء هذه الأمة اليوم يقولون: يا ليت لنا زعيما في عدل ونزاهة عُمَر. لهؤلاء أقول: كونوا في نباهة ويقظة شعب عمر، يكن زعيمكم في عدل ونزاهة عمر. إن سُنة الله التي لن تجدوا لها تحويلا تقول أنه كما تكونوا يُولى عليكم. فشعب قابل للاستحمار لن يجد إلا راكبا يمتطي صهوته ببردعة أو بدونها، وشعب يقظ نبيه ستكون له هيبة تفرض على حاكمه أن يفكر ألف مرة قبل أن "يلعب بذيله".

شعوبنا بين الاستبداد والقابلية للاستحمار
إن السلوك السياسي للشعوب العربية منذ بداية ما يسمى بمرحلة ما بعد الاستعمار هو الذي كان له نصيب الأسد في صياغة نُظم الحكم في المنطقة، لأن السكوت عن سلوك النخبة الحاكمة كان إقرارا له. ولا داعي لأن نذهب بعيدا في استقصاء تاريخ هذه الشعوب باحثين عن مظاهر استحمارها وقابليتها للاستحمار، ففي حاضرها ما يفي بالغرض، والأمثلة في هذا الباب كثيرة لا يتسع المجال لذكرها كلها، ولكن لا بأس من ذكر بعضها. فعلى سبيل المثال لا الحصر نرى أن طوائف الشعب العراقي منشغلة بالتناحر فيما بينها من سنة وشيعة ومسيحيين وأكراد، في الوقت الذي تنهب فيه شركة هاليبورتن وأخواتها ثروات الشعب، هذا مثال صارخ عن القابلية للاستحمار. بنفس المنطق، انشغال فتح وحماس بالصراع فيما بينهما فيما يوسع الكيان العدو مستعمراته ويزحف على المقدسات شكل آخر للقابلية للاستحمار. وانشغال المصريين بالاحتراب بين المسلمين والأقباط لم يستفد منه إلا النظام الاستبدادي الذي كان يسعى للتوريث، والذي ثَبَتَ ضُلوعُه في تفجير كنيسة القديسين مطلع هذا العام، مثال آخر للقابلية للاستحمار… وهلُمَّ جرّاً.
أما إذا أردنا أن نتحدث عن الاستحمار والقابلية للاستحمار عندنا في المغرب فالأمر يحتاج منا إلى مجلدات، لا سطوراً في مقال. أليس إهدار مال الشعب الفقير في مهرجان موازين دليلا على اختلال الموازين في هذا البلد؟ أليست الحشود الغفيرة التي تحج إلى هذا المهرجان حتى يموت بعضها تحت أقدام بعض، في مشهد لم نعرف له مثيلا إلا في الديار المقدسة حيث يدوس الحجاج بعضهم بعضا في رمي الجمرات… أليس هذا المشهد دليلا على قابلية هذا الشعب للاستحمار؟ لماذا تُنفَق هذه الأموال على الغناء والرقص؟ أليست الغاية هي ترقيص الشباب "على وحدة ونص" حتى لا يشتغلوا بالعلم ويعرفوا حقوقهم فيصبحون مصدرا لوجع الرأس بالنسبة لنخبة حاكمة تغتني بأرزاقهم؟ ما السر وراء الانشغال بالمسلسلات التركية والمكسيكية وأخواتها؟ لماذا يريدون لأمة محمد أن تصير أمة مهند؟ أليس هذا شكلا من أشكال الاستحمار؟ عندنا في المغرب قناتان تلفزيتان قائمتان على مد يديهما الأثيمتين إلى جيوب المواطنين من خلال فاتورة الكهرباء، وهاتان القناتان تصران على مخاطبة شعبنا الأمازيغي العربي بلسان فرنسي غيرِ مبين، أليس سكوت الأحزاب السياسية والجمعية المغربية لحماية المستهلكين وباقي هيآت المجتمع المدني على هذا الوضع قابلية للاستحمار؟ ألا يستطيع هذا الشعب أن يرى أن مُستحمِريه هم الوحيدون الذين يستفيدون من غفلته؟ إن هذا الحديث المر سيطول بنا إذا أردنا أن نعدد مظاهر القابلية للاستحمار عند المغاربة، لكني أظن أن الإشارة تكفي لأولي الأبصار… ولكن تعداد الأمثلة لا يكفي لأولي الانبطاح.

ماذا بعد؟
إن القبول بالحقائق المصطنعة دون طرح أسئلة هو أم الخبائث. إن التساؤل عن كل ما يجري أمامنا والتفكر في مغازيه وأبعاده ومراميه هو أول عاصم من القابلية للاستحمار. بـ"فضل" مناهج التعليم ووسائل الإعلام صار الاستحمار صناعة قائمة بذاتها، وتجارة مربحة للنخاسين في سوق الرقيق العصري، ولا سبيل أمام كساد هذه التجارة إلا بالتربية على التفكر، رافعين في ذلك كشعارٍ قولةَ أمير المؤمنين عمر بن الخطاب الشهيرة: "لستُ بالخِبِّ ولا الخِبُّ يخدعُني".
والله أعلم


تم نشر هذه المقالة بموقع هبة بريس يوم 23 مارس 2011

| 0 comments ]


أثار الخطاب الملكي الذي وجهه ملك البلاد إلى الأمة يوم 9 مارس ردود فعل متباينة. و توزعت ردود الأفعال هذه بين موقف يرى في المبادرة الملكية التفافا على مطالب الشعب، ويشكك في نوايا الملك، ولا ينتظر الكثير من وراء هذه المبادرة، وموقف آخر يعلق آمالا عريضة على هذه المبادرة ويرى فيها الحل المنتظر لأزمة الديمقراطية في هذه البلد، هذا مع افتراض وجود شيء أصلا اسمه الديمقراطية ويعيش أزمة.

الملك محمد السادس في خطاب 9 مارس 2011
الواقع أنني لا أنتمي إلى هذه الفئة ولا إلى تلك. وذلك لأنني لا أظن أن الملك وحده يملك جوابا على المسألة الديمقراطية في هذه البلاد. فأنا كلما فكرت في هذه الموضوع وجدتني أفكر في الشعب أكثر مما أفكر في الملك. فالطرف الوحيد في هذا البلد القادر على بناء الصرح الديمقراطي والدفاع عنه هو الشعب، وليس الملك.

قبل أن أخوض في الموضوع، أريد بداية أن أنوه بموقف الملك وبرد فعله على تململ هذا الشعب من الواقع الاستبدادي الذي خيم على البلاد منذ عقود. فالموقف الذي عبَّر عنه الملك يتسم بالكثير من الشجاعة والحكمة يفتقدهما الكثير من الزعماء في المنطقة. بل وفيه الكثير من الدهاء السياسي الذي أبان عليه محمد السادس منذ وصوله إلى العرش. وعلى كل حال، فالملك بتبنيه لهذا الموقف قد بيَّن على الأقل أنه زعيم يتجاوب مع الشارع، وأن مهمة الشباب المغربي في بناء الديمقراطية في هذا البلد ليست في صعوبة مهمة شباب الكثير من دول المنطقة.

الواقع أن ما طرحه الملك في خطاب 9 مارس يمكن اعتباره بداية جيدة يمكن استثمارها في النضال من أجل ديمقراطية حقيقية في هذا البلد، وإن كان لي مآخذ كثيرة على هذه المبادرة. ومن أهم ما أواخذ عليه الملك هو أنه يقترح تعديلات على الدستور، بدل تغييرِه. فجوهر الدستور الحالي يكرس الاستبداد، وأفضل طريقة لإصلاحه هي استبداله بالكامل. وأواخذه كذلك على تعيين لجنة لتعديل هذا الدستور قبل أن تعرِضه على "نظره السامي"، وكان حريا بالملك أن يدعو الشعب إلى انتخاب لجنة تأسيسية تضطلع بهذه المهمة. فنحن لا نريد أن نستبدل دستورا ممنوحا بدستور ممنوح. كما أسجل على المبادرة الملكية خلوها من أي إشارة إلى الفساد والشطط في توزيع الثروات الوطنية. وهذه مسألة يبدو أنها في حاجة إلى مزيد من النضال حتى تتحقق.

ولكن رغم ذلك، فأنا لا أتوقع من الملك أن يكون شعبيا أكثر من الشعب ما دام الشعب ملكيا أكثر من الملك. ففي إبان التعبئة لمظاهرات 20 فبراير، فوجئت بالكثير من الأصدقاء الذين أعُدُّهم من المثقفين والمتنورين يناهضون هذه المبادرة ويستكثرون على هذا الشعب مجرد أن يعبر عن استيائه من الوضع القائم. ولعلَّ رد فعل الملك على مظاهرات 20 فبراير كان أفضل بكثير من رد فعل الكثير من أبناء هذا الشعب المسحوقين. أنا لا ألوم الملك على الوضع القائم، بل أُحمل كامل المسؤولية للكثير من شباب هذه الأمة الذين تعودوا ألا يفتحوا أفواههم سوى أمام الفيديو كليبات الماجنة والصور الخليعة والأفلام الإباحية. من حق الملك أن يحمي مصالحه ما دام هذا الشعب لا يملك مصالح يدافع عنها، ولا يريد أن يملك أية مصالح. لماذا يتبرع الملك بالحرية على شعب ألف العبودية؟ لماذا يثير الملك مسألة توزيع الثروات أمام شعب قنوع ألِفَت أمعاؤه الجوع كما ألفت ضلوعه افتراش الحصير؟ إن الحرية والكرامة والديمقراطية حق ينتزع وليس هبة تُعطى. وإذا برهنَّا أننا شعب يستحق الديمقراطية ويُقدرها حق قدرها فإن الملك لن يجد مناصا من الرضوخ لمطالبنا.

قد يختلف الكثير معي، لكنني أومن أن وجود شخص مثل محمد السادس على عرش المغرب فرصة لا تعوض لتحقيق الديمقراطية التي يستحقها هذا الشعب. فأنا أرى أن لدى هذا الملك استعدادا للتجاوب مع الشعب. وإذا كان الكثير من الشباب يرون في هذا الملك خصما لهم، فإنني أرى الخصم هو شريحة عظيمة من أبناء هذا الشعب الذين لا يريدون لدار لقمان سوى أن تبقى على حالها. هؤلاء هم أشبه ببني إسرائيل إذ حررهم موسى من عبادة فرعون فصنعوا لأنفسهم عجلا من ذهب يعبدونه آناء الليل وأطراف النهار. هؤلاء على أتم استعداد إذا لم يجدوا في الملك ديكتاتورا أن يستوردوا لهم ديكتاتورا من الصين ليُقبِّلوا نعليه في الغدو والآصال.
إن ما عرضه الملك في خطابه الأخير لم يأت من فراغ. لقد جاءت هذه المبادرة ردّ فعل على استعداد طائفة من أبناء هذا الشعب للتضحيات من أجل الحرية والكرامة والديمقراطية.  وهذه المبادرة لا ينبغي أن تكون هي نهاية المطاف، بل ينبغي أن تكون هي البداية. علينا أن نقوم بالتعبئة في أوساط شباب هذه الأمة حتى نستنهض هممه ونحثهم على مزيد من التضحيات من أجل تحقيق المزيد من المكاسب للأجيال القادمة. وعلينا أن نوظف وسائل الاتصال الحديثة لهذا الغرض.
علينا كذلك أن لا يستغفلنا المخزن في مسألة الدستور القادم، فما ستأتي به اللجنة الدستورية لن يكون وحيا من السماء، وعلى الشباب الذي طلَّق المشاركة في الاقتراعات الماضية، وأنا منهم، أن يشاركوا بكثافة في الاستحقاق القادم، وعلينا أن نقول كلمتنا بخصوص هذا الدستور. فإذا كان هذا الدستور سيؤجل الديمقراطية علينا أن نقول له "لا" في صناديق الاقتراع. كما أن الجمعيات وهيآت المجتمع المدني ستكون مطالبة بحماية هذا الاستحقاق من التزوير، وستكون وسائل الاتصال الحديثة سلاحا فعالا في هذه المحطة.

علينا أن نناضل من أجل إثارة ما سكت عنه الخطاب الملكي الأخير، وأقصد هنا قضايا الفساد واستغلال النفوذ ونهب المال العام والمحسوبية والزبونية وكل مظاهر التخلف التي ينبغي الحسم معها.

إن التجربة التونسية والتجربة المصرية قد أثبتا أنه ما من نظام فاسد يستطيع أن يستقوي على شعب يقظ متأهب للدفاع عن قضاياه ومصالحه العليا. فكل مخافر الشرطة وأوكار مباحث أمن الدولة وخلايا البلطجة وجحافل المخبرين قد صارت قاعا صفصفا تحت قبضات أبناء هذين الشعبين العظيمين المتعطشين للحرية والكرامة. ولأن لكل شعب حكومته التي يستحق، فإن هذين الشعبين يصنعان الآن حكما نظيفا يستحقانه. وإذا لم نشمر نحن سواعد العمل لصناعة حكم نستحقه، فإننا سنبقى نستحق هذا الحكم الذي نعيش تحت رحمته.

والله أعلم




النص الكامل للخطاب الملكي

تم نشر هذا المقال على موقع هسبريس يوم الأحد 13 مارس 2011