| 0 comments ]



كتب زكي نجيب محمود في كتابه جنة العبيط قصة قصيرة عنوَنها بـــ"البرتقالةالرخيصة." مما جاء في هذه القصة:
"لم أكد أفرغ من طعام الغداء حتى جاءني الخادم بطبق فيه برتقالة وسكين، فرفعت السكين وهممت أنأحز البرتقالة، ولكنى أعدتها وأخذت أديرها فى قبضتي وأنظر إليها نظرة الإعجاب، فقد راعني إذ ذاك لونها البديع وجمالها الخلاب، وشممت لها أريجاً طيباً، ولمحت في استدارتها ومسامها نضارة عجيبة، فأشفقت عليها من التقطيع والتشريح، ثم نظرت إلى خادمي وقلت مبتسما: لعل برتقالة اليوم يا سليمان لا يكون بها من العطب ما كانبتفاحة الأمس؟ فقال: كلا يا سيدي فلن يكون ذلك قط، فإن البرتقال يتميز عن سائرألوان الفاكهة بأن العطب يبدأ من خارجه لا من داخله، فإن وجدت قشور البرتقالة سليمة فكن على يقين بأن لبابها سليم، كذلك فالبرتقالة أمينة صادقة لا تخفي بسلامة ظاهرها خبث باطنها، بينما التفاحة قد تبدي لك ظاهراً نضراً لامعاً، فإذا ما شققت جوفها ألفيته أحياناً مباءً يضطرب فيه أخبث الدود! فقلت: تلك والله يا سليمان خلة للبرتقال لم أكن أعلمها، ولكنى أتبين الآن أنها حق لا ريب فيه، وأنه بهذه الخلة وحدها لجدير من بائع الفاكهة أن يرصه في صناديقه الزجاجية، وأن يلفه بغلاف من ورق شفاف حرصاً على هذه النفس الكريمة أن تستذل وتهان في المقاطف والأقفاص، فهو لعمري بهذه العناية أجدر من التفاح الخادع..." (انتهى المقتطف)
مما يتسم به البرتقال، بالإضافة إلى قيمته الغذائية، حُسن خلقه. فهو فاكهة صادقة... سريرته مكشوفة للغادي والرائح. هذه الخصلة لا تتوفر في فواكه كثيرة تُبطِنُ بين قشورها نقيض ما تُظهر للناظر من غنج ودلال. فالمثل الدارج يُشبه الشيء الغامض الذي لايعلم أحد طويته وسريرته بــــ"الرمانة المغمضة".
لكن الطريقة التي يُعامل بها البرتقال الصادق الأمين هي غير الطريقة التي تُعامل بها الفواكه المنافقة. هذه الفاكهة "تُستذل وتهان في المقاطف والأقفاص" فيما يُحتفى بما  هو دونها خُلُقا من الفواكه مثل"التفاح الخادع" مثلا.
مأساة البرتقال الصادق الرخيص هي مأساة الإنسان الصادق... تراه كذلك بضاعته كاسدة في سوق المجتمع.لا يُلتفت إليه ولا يُعار اهتماما... بل تُعتبر مزية الصدق التي تُشرفه وترفع مقامه منقصةً تحط من قدره وتُفرق الناس من حوله في زمان صار فيه النفاق ذكاءًاجتماعيا ولباقةً ودبلوماسية.
ميزة الصدق ميزةٌنبيلة وغالية... لذلك على الذي يختار لنفسه أن يشرُف بالاتصاف بهذه الميزة أن يكون مستعدا لدفع ضريبتها.... وضريبتها هي أن لا تلتفت إليه الأعين المأسورة بالبُهرج الخداع.... فَقَدَرُ كل صادق أمين أن يحيا مسكينا ويموت مسكينا...
فاللهم أحيني مسكينا وأمِتني مسكينا واحشرني في زمرة المساكين...
 آمين


0 comments

Post a Comment