| 0 comments ]



ما إن بدأ العالم العربي يتململ طالبا الفكاك من أسر أنظمة الديكتاتورية والفساد التي جثمت على صدره لعقود ووقفت حائلة بين تقدمه وعيشه الكريم، حتى انبرى أعداء المغرب يترقبون كيف سيكون موقف الشارع المغربي. الصحف الجزائرية بدأت تزايد علينا و تزعم أنه آن الأوان لكي ينتفض الشارع المغربي ليطيح بـ"الديكتاتور محمد السادس". 
لابد، والأمر كذلك، من قول كلمة فصل في هذا الصدد قبل الحديث عن انتظارات 20 فبراير وما بعدها. كلمة نود إيصالها إلى أشقائنا في الجزائر وكل أشقائنا العرب: محمد السادس عند المغاربة ليس بديكتاتور، هذا الملك ابن هذا الشعب، ومنه وإليه. هذا الكلام لا نقوله بإيعاز من حكومة، ولا بتنسيق مع جهة رسمية، ولكن تقوله مواقف هذا الملك  وسياساته الإنسانية التي تبناها منذ وصوله إلى العرش. إذن فعلى الذين ينتظرون أن يخرج الشارع المغربي ليقول لمحمد السادس: "ارحل" أن يبحثوا لهم عن بؤرة أخرى، لأن الملكية في المغرب، وشخص الملك محمد السادس، محل إجماع وطني، شأنهما في ذلك شأن الوحدة الترابية للمملكة.
 لكن هل هذا يعني أن "العام زين" وأن كل الأمور في اللمملكة السعيدة على أحسن ما يرام؟ الذي يقول هذا الكلام أو يظن أنه صحيح عليه إما أن يكون خائنا لهذا الوطن أو أن يكون مصابا بعمى الألوان. كون النظام الملكي وشخص الملك محط إجماع من لدن كل المغاربة، أو أغلبيتهم الساحقة على الأقل، لا يخفي الاختلالات العظمى التي تتطلب مصارحة ومكاشفة بين الملك وشعبه، وتستدعي ثورة ملك وشعب من أجل تحقيق استقرار حقيقي لهذا الوطن. فالنظم البوليسية التي كانت تتوهم أنها مستقرة وأنها ممسكة بزمام الأمور قد رأيناها تتهاوى مثل أوراق الخريف، ولم تمنعها القنابل المسيلة للدموع ولا الرصاص الحي من قبضات شعوبها المتعطشة للحرية والعيش الكريم.
القول بأن الشعب المغربي يعاني من القمع الذي عانى منه التونسيون، أو من شظف العيش الذي يعاني منه المصريون مجانبة للحقيقة. أنا أزعم أن هامش الحريات الذي  حققه المناضلون، وسياسات الانفتاح للملك الشاب في المغرب لم يكن يحلم به أي شعب عربي آخر في المنطقة… لكن هذا الهامش من الحريات الذي نعيشه في هذا البلد رصيد ينبغي تنميته  واستثماره بمزيد من النضالات، وإلا فإنه معرض للزوال في أي لحظة.
إن الشعب المغربي، شأنه في ذلك شأن كل الشعوب العربية، لا يزال يعاني من خلل رهيب في توزيع الثروات. وقد آن الأوان لكي يعي القائمون على الأمر في هذا البلد أنهم مطالبون أن ينظروا في أمر الثروة، كي لا ينظر المسحوقون في أمر الثورة. ليس عدلا هذا البون الشاسع بين رواتب الموظفين السامين و رواتب صغار الموظفين، ليس عدلا هذا الفرق الصارخ بين طبقة النبلاء وطبقة الأقنان… هذا النظام الاقتصادي الإقطاعي وصمة عار في جبين مغرب القرن الحادي والعشرين. إن النظامين البائدين في تونس ومصر، والأنظمة الفاسدة التي ستسقط بعدها كانت لا تفكر في غير نفسها، ضاربة بعرض الحائط مصالح الملايين من أبناء الشعب. إن هذا قصور فظيع في التفكير السياسي عند هذه الأنظمة الفاسدة… وغاية القصور في التفكير عندهم ألا يتعدى تفكيرهم ردهات القصور.
الشعب المغربي يعاني الأمرين من نظام قضائي فاسد، كل شيء فيه مباح مقابل المال الحرام. المقولة الشهيرة بأن العدل أساس الملك ليست أسطورة من أساطير الأولين، ولا عقيدة أكل عليها الدهر وشرب… إنها الحقيقة الوحيدة من حقائق الحكم التي لم يفهمها الطواغيت إلا بعد فوات الأوان مع الأسف الشديد. إن الحصن الوحيد الذي يمكن لأي نظام حاكم أن يحصن به نفسه هو حصن العدل. أما الجيوش العتيدة والمخابرات المتمرسة فلا تصمد طويلا أمام قبضات شعب مظلوم، والواقع خير دليل على ذلك. إن الشعب عندما يخسر العدل لا يتبقى لديه ما يخسر، وأخطر ما يمكن لنظام حكم أن يواجهه هو شعب لا يملك ما يخسر… هذه الرسالة التي يحاول الناس هذه الأيام أن يبلغوها لحكامهم بإحراق أنفسهم .. ربما غدا سيحاولون إبلاغ هذه الرسالة بالأحزمة الناسفة إذا لم يجدوا آذانا صاغية. المصيبة العظمى أن أنظمة الطغيان العربية برهنت على غباء سياسي منقطع النظير عندما تجاوبت مع شعوبها بشكل بطيء جدا.. كيف لا وقد تحنطت في كراسي الحكم لعقود دون أن تجشم نفسها يوما عناء التجاوب مع شعوبها.
الشعب المغربي يعاني من نظام سياسي فردي، يمنح كل الصلاحيات للملك، أما المؤسسات فلا وزن لها. هذا الأمر سيعيق التنمية وسيعيق تطلعات الشعب. لقد آن الأوان لكي يصبح لهذا البلد مؤسسات قوية ذات تمثيلية حقيقية للشعب وذات مصداقية. لا يعني ذلك أننا نطالب بإقصاء الملك عن الحياة السياسية بشكل نهائي. فالمغرب ليس هو بريطانيا، وليس من الحكمة استيراد تجارب الآخرين. لكننا في حاجة إلى نظام ملكي برلماني ذي طابع مغربي، يتمتع فيه الملك بسلطات محدودة، و تشاركه مؤسسات قوية في مهمة النهوض بأعباء الحكم. كما أننا في حاجة إلى فصل قاطع بين السلطات حتى لا يكون القاضي تحت وصاية وزير العدل، وحتى يحكم القضاء بما يفرضه عليه القانون دون أن يخشى أحدا. لكن يبقى الملك ضامنا لاستمرارية الدولة وأميرا للمؤمنين وذي سلطات محدودة، وفقهاؤنا الدستوريون سيكونون قادرين على صياغة دستور يستجيب لتطلعات الشعب إذا توفرت إرادة سياسية لذلك.
الشعب المغربي لا زال يعاني من المحسوبية والكيل بمكاييل متعددة، النبلاء فوق القانون، والأقنان يقعون تحت طائلته. النبلاء يملكون الحق في حمل السلاح الناري، وفي استعماله حتى ضد رجال الشرطة في الشوارع بدون وجه حق، بل في انتهاك صارخ لهيبة الدولة دون أن يردعهم رادع. رجال السلطة من أعوان الملك بإمكانهم التورط في قضايا فساد واستحواذ على أراضي الأوقاف بأثمنة زهيدة، ولا يسائلهم أحد حتى لو تسرب الأمر إلى الصحافة. الذين يزعمون أنهم محاسيب الملك بإمكانهم ممارسة البلطجة في المشهد الحزبي السياسي بشكل فج مثير للاشمئزاز، مستقوين على الأحزاب السياسية بقربهم من المحيط الملكي، دون أن يجدوا من يوقفهم عند حدهم. نحن في حاجة إلى دولة ذات هيبة تحاسب الغني والفقير، والأمير وغير الأمير دونما محاباة ولا مجاملات. فلا حصانة لأحد في دولة المؤسسات التي يستحقها هذا الشعب.
الشعب المغربي يجد نفسه في كل انتخابات تشريعية أو جماعية مضطرا أن يختار الحزب الأقل سوءا، لا الحزب الأفضل. وأكثر المغاربة، وأنا منهم، يعفي نفسه من مشقة هذا الاختيار الصعب و يزهد في الانتخابات. فالأحزاب المغربية مقاولات للاغتناء بالمال العام، رضيت بالقليل وزهدت في الكثير مما يتطلع إليه الشعب. الأحزاب المصطنعة لا تمثل إلا المنتفعين من وراء تأسيسها… والأحزاب الوطنية ذات التاريخ النضالي سقطت رهائن في أيدي عائلات "عريقة" في أشياء لا تعلمها إلا هي… لذلك فالاختيار من بين هذه الأحزاب هو الاختيار بين سرطان الدم وسرطان الذماغ والعياذ بالله، والنجاة هي أن لا تختار، في نظري.
وأخيرا وليس آخرا، الشعب المغربي في حاجة إلى وطن يشعره بقيمته، وطن يمنحه العيش الكريم ويتيح له الفرصة لكي يساهم في بنائه. الشعب المغربي في حاجة يغنيه عن التفكير في وطن بديل… ويغنيه عن قوارب الموت. هذه ينبغي أن تكون هي رسالة 20 فبراير، وعلى أولي الأمر أن يفهموا أن الذين يختارون الموت في القوارب اليوم قد يغيرون رأيهم غدا ويختارون الاستشهاد في بلادهم حتى يسترجعوا وطنهم.

0 comments

Post a Comment