| 0 comments ]





تابعنا باهتمام بالغ الانتخابات التشريعية التي شهدتها تركيا يوم أمس الأحد. كنا نتابع الأخبار الواردة من تركيا عن الانتخابات كما يتتبع المهووسون بالكرة مباراة ديربي أو كلاسيكو.
استغربت كيف أن الانتخابات في تركيا استحوذت على اهتمام عدد من العرب كما لم تستحوذ على اهتمامهم انتخابات في بلد مجاور لهم أو بلد عربي شقيق لهم، ولعلني لا أبالغ إذا قلت حتى انتخابات تشهدها بلادهم لا تعني لهم ما تعنيه انتخابات تركيا.
 
إن الاهتمام العربي بتركيا ليس صدفة ولا مفاجأة. فالعرب اليوم يشعرون أنهم استرجعوا تركيا إلى معسكرهم بعدما اختطفها العلمانيون المتطرفون الكماليون الذين لم يألوا جهدا في محاولات محو ملامح وجهها الإسلامي ومحاولات يائسة لزرع ملامح غربية في وجهها في عملية تجميل فاشلة لم تزد وجهها المُشرق إلا قبحا.
ولكن تركيا المسلمة لم تستسلم لخاطفيها. فخروج الزعيم المسلم نجم الدين أربكان رحمه الله الذي رحل عن دنيانا منذ أسابيع كان انتفاضة على ورثة كمال أتاتورك. إذ حاول الزعيم الراحل أن يعيد تركيا إلى حضن أمتها الإسلامية. لكن الجيش اللائكي كان له بالمرصاد، فانقلب على حكومته مرارا و حل أحزابه الواحد تلو الآخر ومنعه مرات عديدة من حقوقه السياسية في استعلاء واضح لا يمت إلى المدنية ولا الديمقراطية بأية صلة.
ولكن شباب العدالة والتنمية درسوا واقعهم جيدا، وأعدوا العدة لأصنام الجيش المتسلط. فاكتسحوا خصومهم في انتخابات تشريعية مَطلعَ هذا العقد. واستطاعوا بفضل من الله وبفضل دهاء زعيمهم رجب طيب أردوغان أن يقلموا أظافر جنرالات الجيش المتغول، ويجروهم إلى المحاكم الواحد تلو الآخر. واستطاعوا أن يدخلوا رئيسا إسلاميا إلى القصر الجمهوري مع زوجته المحجبة، وألغوا القوانين اللاديمقراطية التي كانت تحظر على المحتجبات أن يدخلوا الحرم الجامعي. وسيطروا على كافة مفاصل الدولة.
الإسلاميون في تركيا الآن يقدمون صورة مُشرِقة للإسلام السياسي. فذكاؤهم مكنهم من ممارسة البراغماتية بشكل سليم. فقد قدموا تنازلات جعلتهم يستعصون على الجيش، بل ومكنتهم من طرده شر طردة من الساحة السياسية، وفرضوا عليه ألا يغادر ثكناته. لكنهم بالمقابل لم يقدموا أي تنازلات على حساب مبادئهم واختياراتهم الكبرى لا على الصعيد الداخلي ولا على الصعيد الخارجي. فتركيا الإسلامية تستعصي على أمريكا ولا تخشى إسرائيل، ولا تخجل من مناصرة حماس ومستضعفي غزة. بل إن الزعيم أردوغان قال عقب فوزه يوم أمس إن انتصار أنقرة هو انتصار غزة ونابلس.
وتركيا الإسلاميين ليست دولة فقيرة، بل إن الركن الركين في سياسة العدالة والتنمية هو النمو الاقتصادي المطرد الذي لم توقفه الأزمة العالمية. وسبب نجاحات العدالة والتنمية هو نجاحها في تحقيق تنمية اجتماعية وتحسين للدخل الفردي.
سيطول بنا المقام إذا أردنا أن نعدد إنجازات الإسلاميين في تركيا. لكن خلاصة القول هي أن تجربة العدالة والتنمية وزعيمه أردوغان جاءت لتعيد الأمل إلى هذه الأمة. فهؤلاء الناس لم يجدوا أمامهم طريقا مفروشة بالرمل ولا السجاد الأحمر. لقد جاءوا ليهزموا جنرالات جيش عتيد متسلط كان ممسكا بمقاليد الأمور بيد حديد.
لأجل ذلك نقول بكل فخر واعتزاز: شكرا لرجب طيب أردوغان، شكرا للعدالة والتنمية، مسيرتكم مصدر إلهام لنا.

0 comments

Post a Comment