وأخيرا طلع الصباح وخرجت لجنة المنوني عن صمتها المُباح. وأخرجت لنا من قبعتها السحرية مسودة الدستور الذي سيُستفتى بشأنه شعب لا زالت الأمية ضاربة أطنابها في أوساطه.
للأمانة فقط، لا يمكن لأحد أن ينكر أن مشروع الدستور تضمَّن إضافات نوعية في بعض المجالات. فعلى صعيد الحريات العامة مثلا، نص مشروع الدستور على حقوق المعتقلين في صيانة كرامتهم وفي حصولهم على محاكمة عادلة. وعلى صعيد العمليات الانتخابية، نص منطوق المشروع صراحة على منع تدخل السلطات العمومية في سير العملية الانتخابية، وعلى منع الترحال السياسي داخل البرلمان، وهي الظاهرة التي كانت وصمة عار على جبين "الديمقراطية" في هذا البلد. كما ارتقى مشروع الدستور، بشكل محدود، بصلاحيات الوزير الأول، الذي سيتحول إلى رئيس للحكومة، وسيصبح من صلاحياته التعيين في الوظائف المدنية في الإدارات العمومية وفي الوظائف السامية، كما سيصبح من صلاحياته حل البرلمان بعد استشارة الملك ورئيس المحكمة الدستورية ورئيس مجلس النواب.
لكن الذي يحتاج إلى مزيد من الشرح والتوضيح في مشروع الدستور هذا هو أنه، في الوقت الذي ينُصُّ فيه بشكل صريح على أن النظام الدستوري للمملكة يقوم على الفصل بين السلط، نرى أن هذه السلط في نهاية المطاف تجتمع في يد مؤسسة واحدة، ألا وهي مؤسسة الملك.
إن المغاربة الذين خرجوا إلى الشوارع مطالبين بفصل السلط في دستور متوازن لم يكونوا يقصدون، لا سمح الله، أن الحكومة أو البرلمان أو المجلس الأعلى للقضاء يستحوذون على صلاحيات تجعل إحداهُنَّ تطغى على الأخرى. بل كانوا يرون أن هذه المؤسسات أصلا في حاجة أولا إلى صلاحيات حقيقية، وثانيا إلى استقلال عن المؤسسات الأخرى، بما فيها مؤسسة الملك، ما دامت هذه المؤسسة لا تخضع إلى رقابة ولا إلى مساءلة. فهل لبى مشروع الدستور هذه المطالب ؟
قبل الحديث عن فصل السلط في مشروع دستور المملكة، لا بد أن نذكر أنه هذه النظرية تهدف إلى قطع الطريق على الاستبداد السياسي. فنظرية الفصل بين السلط نابعة من الفكر الكالفيني البروتستانتي الذي يعارض تجمع السلطات في يد مؤسسة واحدة، لأن مؤسس هذا المذهب، جون كالفين، كان يخشى الاستبداد السياسي الذي كان يمارسه الحُكام "العُصاة" حسب رأيه. لذلك جاء المفكرون السياسيون من أتباع المذهب بنظرية الفصل بين السلط حتى لا يستبد بالحكم شخص ولا طبقة و لا مجموعة بعينها. جاء بعد ذلك المفكر الانجليزي جون لوك والمفكر الفرنسي مونتيسكيو ليُفصلا في مزايا الفصل بين السلط في الديمقراطيات الغربية الناشئة آنذاك، وليُرسيا أسس هذه النظرية في الفكر السياسي المعاصر.
ولعل أوضح نظام دستوري في مسألة الفصل بين السلط هو النظام الدستوري الأمريكي، الذي فصل بشكل حازم وحاسم بين السلطات التنفيذية (المنوطة بالرئيس)، والتشريعية (المنوطة بالكونغرس)، والقضائية (المنوطة بالمحكمة العليا). فهذه المكونات الثلاثة للسلطة السياسية الفيدرالية مستقلة عن بعضها من جهة، لكنها تمارس الرقابة عن بعضها البعض (Checks and balances)، من جهة أخرى.
نعود إلى إبلنا لنطرح السؤال عن مدى تحقق الفصل بين السلط في مشروع دستورنا. الواقع أن مؤسسة الملك في مشروع الدستور هذا لا زالت قوية أكثر من اللازم، ولا زالت تتجمع في يدها كافة السلطات.
فعلى مستوى السلطة التنفيذية، لا زالت ثنائية مجلس الحكومة والمجلس الوزاري قائمة. وينص مشروع الدستور على أن المجلس الوزاري يتداول في قضايا مثل التوجهات الاستراتيجية لسياسة الدولة، والتوجهات العامة لمشروع قانون المالية ومشاريع القوانين-الإطار. وهي قضايا من المفروض أن يقوم التعاقد عليها مع حكومة ذات إرادة سياسية مستقلة، وعلى أساسها ينبغي أن تُحاسب هذه الحكومة أمام البرلمان.
وعلى مستوى السلطة القضائية، فرُغم أن منطوق الفصل 107 نَصَّ صراحة على استقلال السلطة القضائية عن السلطتين التنفيذية والتشريعية، فإنه نص كذلك على أن الملك هو ضامن استقلال القضائية. والملك، حسب مشروع الدستور هذا، هو رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، المؤسسة التي ستُناط بها السلطة القضائية.
أما على مستوى السلطة التشريعية، فرغم أن مشروع الدستور هذا يعزز من صلاحيات البرلمان في محاسبة الحكومة، فإن هذه المؤسسة لا تتمتع حتى بحق مناقشة خطاب الملك الذي يتلوه أمام البرلمان بغرفتيه. بل إن الملك قادر على حل البرلمان بعد استشارة رئيس المحكمة الدستورية وإخبار رؤساء الحكومة وغرفتي البرلمان، أي أن هذه المؤسسة ستبقى رهينة للإرادة الملكية.
إن الفصل بين السلط الذي نطمح إليه أكثر بكثير من مجرد الفصل بين مؤسسات أُنِيطَ بها تدبير شؤون السلطات الثلاث بشكل محدود. إننا نطمح إلى نظام دستوري يمنع تجمع السلطات في يد مؤسسة واحدة أيا كانت هذه المؤسسة، بما فيها مؤسسة الملك. هذه هي الصيغة الوحيدة لفصل بين السلطات كفيلٍ بالحيلولة دون الاستبداد السياسي. لكن قبل أن نسعى إلى تحقيق هذا المطلب، علينا أولا أن نسعى إلى إيجاد نخبة سياسية مقتنعة أنها بمقدورها تدبير خلافاتها السياسية بالآليات الديمقراطية. وفي انتظار تحقق ذلك، فلن نجد مناصا من ملك قوي يستحوذ على كافة السلطات باسم الدور التحكيمي بين الفرقاء السياسيين.










0 comments
Post a Comment