| 0 comments ]





قال جرير في هجاء الفرزدق:
زَعَمَ الفرزدقُ أن سيقتلُ مِرْبَعاً                  أَبْشِرْ بِطُولِ سَلامَةٍ يا مِربَعُ
ما غمز إليه جرير هو أن الفرزدق، رغم تهديده بقتل مربع، يبقى غير قادر على تنفيذ تهديده لأنه لا قدرة له على حمل السلاح والقتال.

ما قاله جرير عن الفرزدق ينطبق على كثير من شباب التغيير في هذا البلد، ممن أَرْغَوا وأزبدوا وقالوا في الاستبداد والمستبدين ما لم يقله مالك في الخمر، وزعموا أن سيسقطون الاستبداد وسَيَدُكُّون حصون دولتِه تحت سنابكِ خيلِهم. لكن بعدما انقشع الغبار تبين أن كل فارس من هؤلاء الفرسان البواسل لا يمتطي سوى حمار.... حمار أعجف لا قدرة له على خوض المعامع ... وأن سيوفهم التي امتشقوها وخرجوا يتمطون لم تكن سوى قطع خشبية، فكرروا بذلك ملهاة دون كيشوت ديلامانشا بحذافيرها.


هؤلاء المناضلون الذين خرجوا يبشرون بالديمقراطية ويعدون الجمهور بدولة ديمقراطية عادلة تجري من تحتها الأنهار ولهم فيها ما يشتهون ... اتضح أن أكثرهم لا يعلمون الديمقراطية إلا أماني وإن هم إلا يظنون.

كنت أتوقع أن تكون مدينة الديمقراطية الموعودة، على الأقل مجسدة في التنسيقيات المحلية المطالِبة بالتغيير. كنت أتوقع أن يتعلم الأعضاء المحافِظون داخل هذه التنسيقيات كيف يجلسوا إلى طاولة الحوار مع زملائهم الليبراليين واليساريين دون أحكام مسبقة. كنت أتوقع أن ينضبط الأعضاء اليساريون لقرارت تتخذها التنسيقيات بالتصويت الديمقراطي حتى لو اقترحه إسلاميون مثلا... كنت أتوقع أن تخلو اجتماعات هذه التنسيقيات من ممارسات قديمة عرفناها في ساحات الكليات من شيطنة وتسفيه واتهامات بالعمالة للنظام... كنت أتوقع أن تفهم هذه التنسيقيات أن فاقد الشيء لا يعطيه... وأن الذي يُقصي الآخر في النضال لن يُشركه بعد ذلك في اتخاذ قرار أبدا.

لكن خابت كل هذه التوقعات عندما حضرت جلسة واحدة من جلسات عمل إحدى هذه التنسيقيات... رأيت المخزن بشحمه ولحمه في ثوب مناضلين... رأيت الإقصاء الذي تمارِسه النخبة الحاكمة تلعبه فرقة من المناضلين ضد فرقة أخرى... ولائحة هذه الخيبات تطول ولا يتسع المجال لذكرها ولا لحصرها.

من الناس من يشكك في إمكانية التغيير، وينظر دائما بعين الريبة إلى كل من يحاول أن يصنع غدا أفضل لهذه البلاد... وقد تظن، يا قارئي العزيز، أني من هؤلاء... لكن ما دمنا نتحدث عن التغيير وكيف ينبغي أن يكون، وما دمنا استهللنا حديثنا هذا ببيت شعري، دعنا نتذكر بيتا شعريا جميلا صار مثلا يُضرَب لكل من طلب غاية وأخطأ الطريقة... يقول شاعر:
أَورَدها سَعدٌ وسعدُ مشتملٌ                 ما هكذا تُوردُ الإِبِلُ يا سَعْدُ
في تقديري المتواضع أن التغيير ممكن... بل أكيد. لكنه لن يأتي على أيدي ديكتاتورات صغيرة... الديكتاتورية ليست بالضرورة حكم العسكر... قد تكون داخل أسرة مكونة من شخصين.. وهذه الديكتاتوريات، صغيرةً كانت أم كبيرة، لن تصنع التغيير الذي نريده، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولأن الله قال إنه لا يُصلِح عمل المفسدين.

من أجل ذلك نقول للمناضل دون كيشوت ديلامانشا إن الديمقراطية لا تُصنع بالاستبداد... وإلا لصوتنا جميعا للمرشح الذي قال: "دهنوني... بالو بي دَوروا معاي ونحيد ليكم الرشوة من البلاد". ولأن الزيت لا يختلط بالماء، فإنكم مطالبون إما بأن تعتدلوا وإما بأن تعتزلوا النضال وتُفسِحوا المجال لأُناس يُطبقون الديمقراطية قبل أن يطالبوا بتطبيقها... أقيموا الديقراطية في سلوككم تَقُمْ على أرضكم...
ورحم الله من سمع قولا فاتبع أحسنه
والله أعلم


هذا المقال تم نشره في آش كاين بريس

0 comments

Post a Comment