| 0 comments ]




منذ سنتين اعتدنا أنا وصديق لي أن نجلس في المقهى بعد حصة العمل المسائية، نتحادث قليلا ونحن نشرب فنجانين من القهوة، ونلقي نظرة على عناوين الجرائد، أو ما تبقى من الجرائد التي صدرت في الصباح، قبل أن يقفل كل واحد منا عائدا إلى بيته.
أتذكر أنني ذات يوم لاحظت أن إحدى الجرائد "المُبَجَّلات" كانت دائما منزوعة الصفحة الأخيرة. قلت في نفسي لعل أحد (المَبْلِيِّين) بالكلمات المتقاطعة أو (السودوكو) يحب أن يأخذ تلك الصفحة لكي يتفرغ لحل ألغازه المفضلة (على تيساع). لكنني فوجئت أن الكلمات المتقاطعة و(السودوكو) مازالا على حاليهما في مكان ما من الجريدة. سألت صديقي فأخبرني أن تلك الجريدة كانت دائما تضع في صفحتها الأخيرة صورة مكبرة لإحدى ملكات الجمال، أوفاتنات الممثلات والمغنيات، وغالبا ما تكون شبه عارية، فاستنتجنا أن أحد المتتبعين غالبا ما يقوم بأخذ تلك الصورة قبل أن يحرمه أحدهم من (صيده الثمين).
صار من شبه المألوف أن يقوم بعض أصحاب المقاهي والمطاعم بتشغيل نادلات بدل نوادل، وغالبا ما يعطون لمستَخدَماتهم توجيهات صريحة بضرورة الاعتناء بــ"الماكياج" و ما أدراك ما الماكياج، حتى صارت أغلب النادلات كأنهن (طعارج) من كثرة (التزواق). لكن أن تنتقل هذه العدوى الخبيثة إلى صفحات جرائد، هذا ما لم يكن أبدا في حسباني.
تساءلت مع نفسي، ما الذي يدعو جريدة إلى سَنِّ هذه السُّنة السيئة لتتحمل وِزرَها ووِزرَ من عمل بها إلى يوم القيامة؟ هل هي الرغبة في الإمتاع والمؤانسة، أم الرغبة في رفع عدد المبيعات؟ إذا كان هذا هو المراد فإن أغبى طريقة ترفع بها جريدة مبيعاتها هي هذه الطريقة. وذلك للأسباب التالية:
أولا، لأن الصور الخليعة ومشاهد الإثارة لها زبناؤها وأسواقها. وزبناء كل بضاعة هم أدرى بأسواقها. فما الذي يجعل زبناء هذه البضاعة يبحثون عنها في صفحة أخيرة لجريدة كاسدة في الوقت الذي يمكنهم فيه الحصول على أكثر ما يشتهون في أماكن أخرى؟
ثانيا، إذا كانت إرادة الجريدة تريد التربُّح، فما الذي يدفعها إلى الاستثمار في الإعلام المقروء في بلد أغلب سكانه أميون، والقلة المتمدرسة فيه زاهدة في القراءة عازفة على كل ما له علاقة بالحرف أبشع الألحان(؟؟؟) ألم يكن حريا بصاحب (شكارة) الجريدة المحترمة أن يستثمر أمواله في تجارة أكثر رواجا، أو على الأقل أقل كسادا؟
إن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، شأنه في ذلك شأن التعليم، لكن المصيبة هي حين يدخل عليه دخلاء لا يبحثون من ورائه سوى على إشباع غريزة البطن، فيستقطبون زبناءهم بالعزف لهم على وَتَرِ غريزة الفرج. والنتيجة غالبا ما تكون الإفلاس المادي، وقبله الإفلاس الأخلاقي والقِيَمي. فلا هم ربحوا مالا، ولا هم أدوا رسالة... بل زادوا الطين بلة وفسادا...
والله أعلم




0 comments

Post a Comment