المتأمل في حال الشعب المغربي يلاحظ أن هذا البلد ظل لعقود من الزمن قاعةَ انتظار كبرى. فطيلة عقود من الجمر والرصاص بقي الشعب ينتظر أن يقوم عزرائيل بإنهاء معاناته من القمع والظلم، انتهت سنوات الرصاص أخيرا وجاء عهد الإنصاف والمصالحة وبقي الشعب ينتظر النخبة السياسية الجديدة لكي تقوم بالإصلاحات المنشودة بما يكفل للفقراء في هذا البلد عيشا كريما يغنيهم عن البحث عن مستقبل أفضل وراء البحار.
لكن بعد مرور عقد ونَيِّف مما كان يسمى بــ"العهد الجديد" تبين أن النخبة السياسية مهتمة بأرقام ثرواتها الفلكية أكثر من اهتمامها بواقع الشعب. وهكذا طلقت السلطة "زرواطة" البوليس لتتزوج بالمال وتغرق معه في شهر عسل طويل ويغرق الشعب بمفرده في بحر من قطران.
بعد ذلك تأثر الشعب بحراك شعوب الجوار وخرج إلى الشارع مطالبا بحقه في "مغربنا" الذي أصبح "مغرب أونا". لكن مناورات النظام لم تتأخر كثيرا. وتلقفت المؤسسة الملكية مطالب الشارع بإجراء تعديلات على دستور المملكة وإجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها.
السؤال المطروح هو: هل "قطع النظام الواد ونشفو رجليه" بعد هذه "الإصلاحات"؟ وهل وقف حمار الشيخ عند عقبة تعديل الدستور؟ وهل انتهت جميع مشاكل هذا الشعب بهذه "المناورات"؟
يبدو أن المؤسسة الملكية، بإقرارها هذه الإصلاحات، اختارت الهروب إلى الأمام. ذلك بأنها أجابت جزئيا على السؤال، وسكتت عن الكلام المباح حتى قبل أن يطلع الصباح.
فإذا زعم أصحاب الحال والأحوال وإعلامهم وأنصابهم وأزلامهم أن النظام الحاكم "جاب الذيب من ذيلو" بهذه الإصلاحات، فماذا عن التوزيع غير العادل للثروات؟ وماذا عن ثروات النخبة الحاكمة و"ملك الفقراء"؟ وماذا عن الحكام التجار والشعب الزبون؟ وماذا عن سرطان القروض التي تنوعت فصارت منها الصغرى والمتوسطة والكبرى لتصبح مثل المهدئات للفقراء والطبقة الوسطى فلا تزيدها إلا هزالا "لتزيد الشحمة في ظهر المعلوف"؟ وماذا عن أزمة العقار المصطنعة لكي تمكن "دراكولات" العقار من مص المزيد من دماء الشعب ؟
إن المؤسسة الحاكمة، إذا كانت تظن أنها بهذه "الإصلاحات" المزعومة قد "قطعت الواد ونشفو رجليها" فإنها واهمة. فليس بالدستور وحده، حتى لو كان متوازنا فعلا، تستقر الأنظمة، وإنما بالتوزيع العادل للثروات، وإلا لما خرج المحتجون ليحتلوا وول ستريت في أمريكا، بلد أول دستور مكتوب في العالم اشتهر بفصله الحازم والحاسم بين السلطات. إن المحتجين في أمريكا يتمتعون منذ القديم بما هو أكثر مما تبرعت علينا به المؤسسة الملكية. لكنهم خرجوا ليحتجوا على نظام أتاح للشركات الكبرى أن تغتني على حساب الشعب. فكانت النتيجة أن تحول "وول ستريت" إلى ميدان تحرير آخر. وصارت آمال أثرياء بلاد العم سام معلقة على "زرواطات" شرطة نيويورك.
ولأن كلمة السر هي الاقتصاد وليس الدستور، فإن هذه الانتخابات، التي تُجرى وسط أجواء انتحابات الملايين من الفقراء الذين يندبون حظهم العاثر الذي جعلهم رعايا حكام جشعين، لن تأتي بجديد. لأن النظام الحاكم مُطالب بتغيير ممارساته، لا بتغيير "ماكياجاته". على المؤسسة الحاكمة أن تختار أمرا من اثنين: إما أن تكون ذكية فتحد من جشع النخبة السياسية، وتفصل فصلا صارما بين المال والسلطة، من أعلى هرم السلطة في الدولة إلى أسفله، وإما أن متذاكية وتظن أن الشعب غبي فتغير القناع من أجل إخفاء ذمامة ممارساتها، ولن يتأتى لها ذلك حتى يلج الجمل في سَمِّ الخِياط. لأنه عندها سينقشع الغبار، ويتبين أنها لا تركب فرسا، بل حمار.
والله أعلم.











0 comments
Post a Comment