| 0 comments ]


أكثرية وأقلية
لو خيَّروك بين أن تكون مع فريق الأكثرية من الناس في اختياراتهم وأحوالهم، وبين أن تكون مع الأقلية... مع أي الفريقين تختار أن تكون؟
كائنا ما كان اختيارك، تربَينا في هذا المجتمع أن لا نتسرَّع في اختياراتنا وقراراتنا حتى نرى ماذا يختار أكثر الناس... وحتى إذا حدث أن اتخذنا قرارا ورأينا أكثر الناس مالوا إلى نقيضه علينا أن نغير الاتجاه لنتبعهم... قديما قالوا: "حط راسك بين الروس وقول يا قَطَّاع الروس"... وقالوا: "دير ما دار جارك ولا حوّل باب دارك"... وقالوا كذلك: "إذا كنت في روما فافعل كما يفعل الرومان". حتى المصيبة إذا حلَّت بشخص دون سواه كان وقعها أشد على النفس من ضربة السيف... لكنها "إذا عمَّت هانت".
لكن لماذا هذه الرغبة في أن يكون المرء مع الموجة العامة في اختياراتها وأحوالها؟ هل التميز عن الناس شيء مكروه؟ ماذا نستفيد عندما نكون كلنا "في الهوا سوا"؟
لستُ أخصَّائيا نفسيا ولا عالم اجتماع لكي أُجيب عن هذا السؤال. لكن الذي يخالط الناس يعلم أن أخشى ما يخشونه هو المغامرة.. وأن أقصى ما يتمنونه هو السلامة... لذلك تراهم يستوحشون الطريق لقلة الماشين فيه مخافة الندامة... ويسلوك الطريق المليء بكثرة المشاة طمعا في السلامة... هذه المخاوف مشتركة بين الناس على اختلاف ثقافاتهم... لذلك تجد الانجليز يتداولون قولهم المأثور: "The beaten path is the safest ". أي أن الطريق الذي مشى فيه أكثر الناس هو الطريق الأسلم.
السؤال المطروح إذن هو هل لا زال أكثر الناس يُطمَأَنُّ للوجود بينهم؟ أقصد إذا كنت سأرتاح لقرار أتخذه أو طريق أسلكه لمجرَّد كثرة الناس الذين مالوا إليه، عليَّ أولا أن أنظر كيف حال أولئك الناس الذين سأقلدهم؟ هل هم سُعداء أم تعساء؟ هل هم أغنياء أم فقراء؟ هل هم إيجابيون أم سلبيون؟ هل هم ناجحون أم فاشلو؟.... وهلم جرا. ماذا سيفعل أكثر الناس إذا أُتيحت لهم فرصة غشِّ إنسان واستغفاله من أجل أن يغمطوه حقه سواء كان كثيرا أم قليلا؟ هل تراهم سيستمعون إلى ضمائرهم أم يفعلون غير ذلك؟ كيف هي أحوال أسواقنا وشوارعنا وما إليها من الأماكن التي تعج بالناس؟
على كل حال، إذا كنتَ، قارئي العزيز، من الذين لا يرتاحون إلا إذا شعُروا بأنهم مع (الأغلبية)، فاعلم أن الكثرة من الناس مذمومة في القرآن، وأن القلة هي المحمودة:
يقول الله: "ولكن أكثر الناس لا يعلمون" (سورة الروم- 6).
ويقول: "ولكن أكثر الناس لا يشكرون" (سورة البقرة- 243).
وقال: "ولكن أكثر الناس لا يؤمنون" (سورة الرعد-1).
وقال: "وإن تُطع أكثر من في الأرض يُضلوك عن سبيل الله" (الأنعام-116).
ولكنه بالمقابل قال: "وقليل من عبادي الشكور" (سورة سبأ- 13)
بقي أن نختار أي طريق نسلك... ليس المهم أن نرى أن الطريق يسلكه الكثير من الناس أو القليل... لكن المهم أن نعلم عاقبة الطريق.. أي علينا أن نحدد وِجهتنا قبل أن نختار الطريق... لأن الذين لا وجهة لهم كل الطرق عندهم سواء.
"Pour ceux qui ne savent pas où ils vent, tous les chemins sont bons "
والله أعلم
 

0 comments

Post a Comment