| 0 comments ]



لا أحد يعلم ما يدور في رأس عاهل المغرب الملك محمد السادس. لكن البلد برُمته يراقب كيف يُدير ويدبر خططه حسب مقتضيات المرحلة. فعندما أُعلِن أن السيد فؤاد عالي الهِمة استقال من منصبه في كتابة الدولة في الداخلية كثر القيل والقال عن مغازي استقالة، أو إقالة الرجل من منصبه كما ذهب البعض حينها ... فقائل قال انتهى شهر العسل بين صديقَي الدراسة، الملك وخديمه، وقائل قال إن الملك سيغير الطاقم الذي يدير به البلاد، وقائل قال إن عالي الهمة أسقطه فساده... كثرت الأقاويل ولا أحد كان يعلم بما في الدهاليز من دسائس.

و لكن بعد ذلك أثبت عالي الهمة أنه استقال من منصبه ليكون الأداة التي سيدبر بها القصر المرحلة المقبلة... ودخل في لعبة أعادت إلى الأذهان خطط الحسن الثاني في التعامل مع المشهد الحزبي والأحزاب التي كانت وطنية آنذاك، وبدأ عالي الهمة يسعى لتقمص دور أحمد عصمان والمعطي بوعبيد.. حيث زعم أنه سيكون الزعيم الحزبي الذي سيتولى تحجيم حزب الإسلاميين، وسيقود البلاد وفق سياسة "صديقه الملك".
وفعلا، انطلق حزب الأصالة والمعاصرة انطلاقة رمزه (التراكتور) الذي أتى على الأخضر واليابس، مستعينا في ذلك بنفوذ خديم الأعتاب الشريفة، "صديق الملك"، وبنفوذ الطامعين في المزيد من النفوذ من الوزراء والنواب والزعماء ممن تخلوا عما قالوا إنهم كانوا يمتلكونه من برامج سياسية وولاءات حزبية وما إليها ليلتحقوا "بدار العرس"، أي الأصالة والمعاصرة، التي كان يبدو أنها ستصبح شيئا شبيها بالحزب الوطني الديمقراطي الذي كان متغولا في مصر، أو التجمع الدستوري الديمقراطي الذي كان يضع مُقدرات الشعب التونسي في جيبه.
لكن الرياح جرت بما لم تشتهِ سفن عالي الهمة والذين أرادوا العيش في جلبابه. فالنُّسَخ التي كانت شبيهة بالحزب الذي أراد إنشاءه بدأت تتهاوى في دُول الجوار، وانتقلت 25 يناير إلى شوارع المغرب تحت مسمى 20 فبراير... والحناجر التي هتفت بسقوط التجمع الدستوري الديمقراطي والحزب الوطني وجدت لها امتدادا في المغرب حيث خرج الشباب يهتفون بسقوط الأصالة والمعاصرة خاصة، وببطانة الملك الفاسدة بشكل أعم...
فيما يبدو، أيقن القصر إذن أنه لا يمكنه أن يدير البلاد بنسخة أخرى مما كان يُعتبر أحزاب الإدارة في العهد البائد، أو بنسخة مغربية من أحزاب فاسدة سقطت في المشرق ... فرفع يده عن الانتخابات التي جرت في جو شهد الحدَّ الأدنى من النزاهة وحياد الإدارة... انتخابات لم تنفع فيها فؤاد عالي الهمة هِمَّتُه العالية فخرجت صناديق الاقتراع بما لا يليق بحزبه المتغول. وصار لزاما على "صديقه الملك"، حسب منطوق الدستور الجديد، أن يعهد برئاسة الحكومة إلى زعيم نفس الحزب الذي ادعى أنه (أقصد عالي الهمة) هو من سيقوم بتحجيمه.
تغيرت قواعد اللعبة إذن، وصار لزاما على السيد عالي الهمة، الذي لم يعد قادرا على لعب دور عصمان وبوعبيد، أن يُوَظف في دور رضا اكديرة.
جدية الملك في التجاوب مع مطالب الشارع كانت تقتضي على الأقل، مما تقتضيه، أن يزيح عالي الهمة والماجيدي، رمزَي الفساد حسب المتظاهرين. لكن أن يحتفظ بالأول ويعين الثاني مستشارا له، فالأمر يعني، مما يعنيه، تجاهُل مطالب الشارع أولا، وإعادة ترتيب الأوراق بما تقتضيه مصلحة القصر في المرحلة القادمة ثانيا.
على كل حال، فالذين يقولون الآن إن تعيين فؤاد عالي الهمة مستشارا للملك نكاية في رئيس الحكومة المعيَّن، عبد الإله بن كيران، ورفاقه يبالِغون في التشاؤم، لأنه لا أحد سيكون قادرا على تصور مستقبل بلد يُعيِّن فيه ملكه كبار مساعديه نكاية في سلطته التنفيذية وأغلبية سلطته التشريعية... كما أن الذين يقولون إن تعيين عالي الهمة هو نهاية لمشروعه الذي أراد تأسيسه بحزبه يبالغون في التفاؤل... لأن الأمر ببساطة يتعلق بأوراق اختلطت يسعى الملك إلى إعادة ترتيبها بالشكل الذي يضمن له الحفاظ على لعبة التوازنات وتدبير صراع المتناقضات... لعبةٍ لم يبتكرها محمد السادس، ولكن تعلمها ربَّما من قراءته لسيرة أسلافه، فجده محمد بن عبد الله هو الذي حكم البلاد بتدبير صراع المتناقضات في زمانه... صراعٍ بين القبائل الأمازيغية التي ألِفت الثورات حينذاك، وجيش عبيد البخاري الذي كان مصدر قلاقل... فقال قولته الشهيرة: "أردت أن أصدم هذا التيس الأسود بهذا الكبش الأبيض".
والله أعلم

0 comments

Post a Comment