هل جربت أن يأتيك الفرَج من حيث لا تدري في وقت ظننتَ فيه أن أي شيءٍ قد يأتي إلا الفرج؟
تلك تجربة لا يعرفها إلا من عاشها، تماما مثل الصَّبابة التي قال فيها الشاعر:
لا يعرف الشوقَ إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها
حدثَ أنني ذات أيام سود لم تأتني المصائبُ فُرادى، ولكن تكالبت عليَّ مثل تكالب الأكَلة الجياع على قصعتهم. فقد صرت لا أفكِّر إلا في الدَّين والدائنين... والمصاريفِ التي لا قِبل لــ"مُعلِّمٍ كَحْيان" بها، والتي بدأت تنبت في طريقي مثلما تنبت البثور في وجه مجذوم. فالضيوف الثقال كثرت زياراتهم الثقيلة، وعيالي الذين طالت سلامة أضراسهم صاروا يقضون الليالي الطويلة يتألمون من وجع الأسنان... فصار لزاما علي أن أنضاف إلى قائمة زبناء عيادات الأسنان وإن لم يتوفر لي ثمن زياراتهم. والدائنون الذين طال صبرهم صاروا يُغنون لي أغنية السيدة أم كلثوم، "للصبر حدود". أما الجزار فصار لا ينظر إلي إلا شَزَرا، وصار يصقل سكينه الطويل كلما مررت من أمامه... ولا يحملني على المرور من أمامه إلا قلة الأزقة التي لا يوجد بها دائنون....
ولكن "اشتدي يا أزمة تنفرجي"، على رأي البوصيري رحمه الله... فليس مع الصبر إلا النصر، ولا مع الكرب إلا الفرج، ولا مع العسر إلا يسر.
ذات ليلة بيضاء مثل الثلج. بينما أنا قافل إلى بيتي متسللا بين الأزقة متواريا عن أنظار الدائنين محاولا أن أحافظ على ما تبقى في وجهي من ماء، إذا بي ألحظ أن الوكالة البنكية الوحيدة في الحي مفتوحة... أثار هذا الأمر فضولي. فأنا لم أر في حياتي وكالة بنكية مفتوحة في مثل هذا الوقت من الليل. قادني فضولي إلى استطلاع الأمر... دخلت الوكالة بخطى حذرة، سلمت على من بالداخل فلم يُجبني إلا الصدى... قمت بجولة سريعة في أرجاء الوكالة، لم أر أحدا.... كانت فارغة تماما مثل الزقاق الذي تقبع فيه. وكم كانت صدمتي رهيبة حين رأيت خزانة الوكالة مفتوحة.... وكانت أكوام الأوراق النقدية مكدسة بداخلها دانيةً قطوفُها وذُلِّلت تذليلا. صار بيني وبين الانعتاق من مصائبي بضع لحظات وبضع خطوات.. ولكن جالت بخاطري عاصفة من الأسئلة: هل كانت عصابة إجرامية على وشك أن تأخذ هذه الأموال قبل أن يفاجئها أحدهم؟ هل ما حدث كان قدرا مقدورا كي تُحل كل مشاكلي حلا جذريا؟ هل هذا رزق حلال ساقه الله إلي، أو ساقني إليه، رحمة بعيالي الذين عضهم الزمان بأنيابه؟ لكن بدأت نفسي اللوامة في إسداء النصائح والمواعظ في وقت حاسم كان علي أن أتخذ فيه قراري وبسرعة. حدَّثتني نفسي أن اللحم الذي ينبت من حرام مآله النار... وأن هؤلاء العيال الذي سيأكلون هذا المال سيضيعون... أجابها عقلي المتذاكي أن المضطر لا حرج عليه... وأن الميتة والدم ولحم الخنزير والخمر أُبيحوا للذين لا يجدون ما يقتاتون به...
وفي اللحظة الحاسمة التي أوشكت فيها أن أتخذ قراري.... شعرت بيد باردة مثل الثلج تَندَسُّ في قفاي وسمعت صوت زوجتي توقظني.











0 comments
Post a Comment