كتب ذ. زكرياء بن الحسين:
لم تتحول القضية التربوية بعد إلى قضية مجتمعية. فقد استفردت الدولة بالمجال التربوي من حيث التنظير والفلسفة دون أن يجد المجتمع لنفسه مساحة للمشاركة في وضع أسس ومراقبة نشاط ينبني عليه مصير النشء.
لذلك يجب طرح السؤال حول موقع المجتمع، وعلى رأسه الأسرة والإعلام، ورؤيته تجاه هذه القضية ، من أجل تحديد مسؤولية كل جهة خصوصا وأن الجميع أضحى ينظر إلى التربية كقضية عامة ويتحدث في إشكالاتها، تارة عن علم وتارة عن غير علم.
وفي الوقت الذي لا يمكن أن يطلب فيه من مكونات المجتمع أن تكون طرفا مباشرا في المجال التربوي لأن ذلك غير سائغ، فإن الوعي الإيجابي بالقضية التربوية صار مطلبا أكثر إلحاحا بالنظر إلى الانهيار الذي تسير فيه المدرسة المغربية ـ مع التحفظ على فكرة وجود مدرسة مغربية كثمرة لاجتهاد وتجديد تربوي.
لابد لهذا الوعي لكي يكون إيجابيا أن يسائل القضايا المفصلية الأكثر أهمية وعمقا. فالمسألة التربوية ليست مجرد نشاط ديداكتيكي، بل ليست الممارسة الديداكتيكية سوى حلقة ضمن عمل متصل يتسم بالكثير من الحساسية.
مطلب المساءلة هذا يدفعنا إلى تسجيل غياب المجتمع عن كل المحطات الإستراتيجية للمسار التربوي في بلدنا. ويتمثل بعضها في ما يلي:
- محطة تقرير الاختيارات التربوية الكبرى بعد الاستقلال حيث لم يطالب بالقيام بدوره وواجبه تجاه عملية رسم المستقبل لجيل ما بعد الاستقلال، وهي المحطة التي سطرت فيها المبادئ الكبرى للمدرسة المغربية.
- محطة اختيار نموذج التدريس بالأهداف في بداية الثمانينات من القرن العشرين مع ما أثاره ذلك الاختيار بين المشتغلين بالتربية والمهتمين من نقاش حول ملابسات الاختيار والغاية من ورائه.
- محطة التقويم وما يرتبط بها من مخرجات، حيث لم تكن هنالك مسائلة مجتمعية للقيمة العلمية للشواهد وأولها شهادة الباكلوريا التي لم تعد تصلح لشيء إن لم تكن مشفوعة بميزة وسنوات جامعية واجتياز مباراة وأشياء أخرى لا علاقة لها بالكفاءة؟
- محطة المقاربة الرسمية لمحاربة الهدر المدرسي، إذ لم يعلن المجتمع، وخصوصا جمعيات الآباء، أي موقف تجاه الأسلوب غير العلمي الذي اختارته الدولة لمحاربة الآفة بتمرير خدعة الانتقال من مستوى إلى مستوى على الرغم من عدم توفر الكفاءة اللازمة لدى المتعلم وتمييع عملية التقويم خصوصا في امتحانات السنة السادسة ابتدائي بكتابة الأجوبة للتلاميذ في عملية تواطؤ مخزية، ليجد المتعلم نفسه في طريق مسدود في السنة النهائية من التعليم الثانوي.
- محطة البرنامج الاستعجالي، حيث انساق المجتمع وراء الخطاب التسطيحي للقضية التربوية الذي اختزل إشكالياتها الكبرى في اللغات الأجنبية وتكنولوجيا التواصل وما شابه ذلك والزمن المدرسي.
لم يظهر للمجتمع، أسرا وجمعيات آباء، أي موقف تجاه بيداغوجيا الإدماج وظروف اختيارها، وهو الاختيار الذي سيقضي على كل فرص التميز لدى المتعلمين الذين تظهر عندهم مؤشرات التفوق في الوقت الذي تعمل فيه بيداغوجيا الإدماج على تكوين السواعد القوية للاشتغال في المقاولة، لا على تكوين الأدمغة، فضلا عن غياب الاستيعاب التام لهذه المقاربة.
يفتقد المجتمع إلى ردود فعل نحو سوء تدبير الشأن التربوي في حالة عدم توفير المدرسين في الأسابيع الأولى ـ وأحيانا الأشهر الأولى من السنة الدراسية ـ وهي حالة أضحت متواترة، يضيع معها حيز كبير من الزمن المدرسي وأيضا في حالة عدم توفير مؤسسات مدرسية. وطبعا فالحرص على تأمين الزمن المدرسي يصبح كلاما عبثيا موجها في اتجاه غير معلن.
في خضم هذه الاستقالة المجتمعية من الشأن التربوي، وتخلص الأسرة من واجبها التربوي وتسليم المهمة إلى مدرسة عاجزة عن الفعل، لا يبدي الإعلام أي انخراط حقيقي في المسألة التربوية عدا الخطاب الذي راج أخيرا حول هدر الزمن المدرسي والحق في التعلم. وهو خطاب يتسم بالسطحية وعدم الإلمام بالحقل التربوي وتفاعلاته. ووجهة النظر الوحيدة التي عبر عنها تمثلت في انسياقه وراء خطاب تقرير المجلس الأعلى حول أسباب المأزق التربوي، وانضمامه إلى جوقة المتهمين للمدرس و إهماله أي حديث عن الأوجه الأخرى ذات الأهمية الكبرى.
إن الملفات التي على الإعلام أن يناقشها، وهو الذي يريد لنفسه أن يكون إعلاما مواطنا، هي ملفات أكثر عمقا، تتجاوز المجال التقني والإجرائي المتمثل في الممارسة الصفية، إلى مجال المناهج، والتقويم، ومحتوى البرامج.
في الوقت نفسه، من حقنا أن نسائل الإعلام عما يقدمه كمساهمة للنهوض بالتربية بما أن مجال التربية هو مجال لتأكيد المواطنة الإيجابية.
فأي واجب تربوي يقوم به الإعلام من أجل خدمة شريحة هامة من المجتمع، وهي شريحة المتعلمين؟
هل يسعى الإعلام إلى تحقيق تكامل مع المدرسة عبر تأسيس وبلورة خطاب ومحتوى يساند المدرسة ويدعمها لتحقيق الغايات التربوية؟
هل يتناغم جدول أعماله مع مهمة المدرسة في تحضير صغار اليوم للمستقبل؟
يبدو أن الأمر ليس كذلك. فجزء كبير من الإعلام المكتوب والمرئي والمسموع سار نفس مسار الأسرة في التخلي عن القضية التربوية وتسليم المسؤولية كاملة للمؤسسة، والحال أن المؤسسة عاجزة عن الاضطلاع بما هو منتظر منها تربويا ومعرفيا وأخلاقيا.
أي أنه لا يؤمن إيمانا حقيقيا بمركزية المسألة التربوية ضمن خريطة القضايا الوطنية التي تحتاج إلى النهوض بها كشرط لتحقيق تنمية حقيقية مفعمة بكل القيم الإيجابية. بل يقوم الإعلام في جزء منه بتخريب وتقويض العمل التربوي عبر نشر ثقافة سطحية تكرس التفاهة والفراغ الفكري والمعرفي.
عندما يضطلع الإعلام بدوره كاملا وينأى بنفسه عن أن يكون طرفا في صراع خفي يعمق الأزمة التربوية، وعندما تستعيد الأسرة دورها الجوهري بدل الانسحاب والإكتفاء بدور المتفرج، فإن طريق الإصلاح يكون سالكا، وستحدد المسؤوليات، وستصبح محاسبة جميع الأطراف ممكنة.
الظاهر أن هنالك اتفاقا بين الجهات الرسمية المسؤولية عن حقل التربية وبين المجتمع، لكنه مع الأسف ليس اتفاقا على مواجهة حقيقية للإشكالات التربوية بقدر ما هو اتفاق على الهروب من المسؤولية. وذلك من شأنه فقط أن يعقد الأزمة و يعمق المأزق التربوي الذي تعيشه المدرسة المغربية.











0 comments
Post a Comment